الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٨٥ - ٤- القصص و القصاصون
الذي قصد إلى تطبيق نظام الإسلام و ضمان حق الفقراء. و تمسك بمبدإ الآخرة و زوال الدنيا، فكان شعاره قول اللّه سبحانه و تعالى: وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فامتدت إليه يد الأغنياء. و رمته في أحضان حكم معاوية، فكان لا يخفي إنكاره لما فيه معاوية من بذخ و ترف يتعارض مع الإسلام، و زاد على ترديده قول اللّه، قوله لمعاوية جهارا: إن كان ما أنفقت من مال اللّه فهو خيانة، و إن كان من مالك فإسراف.
و لقد أدت أوضاع الدعوة في زمن الرسالة و ضرورات نشر الدين إلى معاناة كبيرة و تضحية بالغة شملت الأهل و المال و المسكن، فقد كان أهل الصّفة (غرباء فقراء مهاجرين أخرجوا من ديارهم و أموالهم) و وصفهم أبو هريرة و فضالة بن عبيد فقالا:
يخرّون من الجوع حتى تحسبهم الأعراب مجانين، و كان لباسهم الصوف حتى أن كان بعضهم يعرق فيه فيوجد منه ريح الضأن إذا أصابه المطر. هذا وصف بعضهم لهم حتى قال عينية بن حصن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أنه ليؤذيني ريح هؤلاء، أ ما يؤذيك ريحهم؟
و المتصوفة يتمسّكون بنسبتهم إلى حال أهل الصّفة، و أن التسمية منها، غير أن ذلك لا يتفق مع اللغة، و تأباه قواعد الصرف. أما النسبة إلى الصوف فقد تكون من حيث اتفاقها مع قواعد اللغة و التاريخ هي الأصح. و لا نعني بالقطع و اختيار أحدها على وجه اليقين، فليس لذلك أهمية في نظرنا، و قد يخرج عن صلب البحث. كما أن الصوفية يريدون أن يجمعوا بين كل التسميات، و ربطها بالصّفة و الصوف اللذين يتوحّدان في نظرهم، و من نسبهم إليهما فإنه عبّر عن ظاهر أحوالهم، و ذلك أنهم قد تركوا الدنيا فخرجوا عن الأوطان، و هجروا الأخدان، و ساحوا في البلاد، و أجاعوا الأكباد، و أعروا الأجساد، لم يأخذوا من الدنيا إلا ما لا يجوز تركه من ستر عورة و سدّ جوعة [١].
و نختصر القول في نصّين كليهما لأحمد أمين، لأني في دار الغربة و الابتعاد عن الوطن حيث داري و مكتبتي، أعاني معاناة لا يعرفها إلا اللّه من توفير ما احتاج إليه من ضرورات البحث و أمهات المصادر التي كانت متيسرة في داري في النجف الأشرف، و أنفقت بين رياض الأفكار الشطر الأوفى من عمري، كان حصيلته الأجزاء الستة
[١] انظر: أبو بكر محمد الكلاباذي، التعرف لمذهب أهل التصوف ص ٢٩، ٣٠، ٣١.