الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٨ - ٢- خلق القرآن
خلقه بضعف آرائهم و نقص عقولهم، و خفائهم عن التفكير و التذكر [١]. هذا و السلطة تتحول إلى الخضرة و تغيّر شعارها الأسود تقربا إلى الشيعة، و قضية إسناد ولاية العهد إلى الإمام الرضا ما زالت في الأذهان، و لا بد أن قضية سمّه و قتله لا تهمّ الآخرين أكثر مما تهمّهم المظاهر، و بين فترة و أخرى يهمّ المأمون في القول بمسألة على رأي الشيعة، بينما قضية امتحان السلطة للعلماء لها طابع معتزلي، و العامة أخذت تنظر إلى أهل الرأي و الفكر نظرة واحدة، لأن الفترة حديثة عهد، و الحركة ما زالت في بواكيرها، و مناهج الكلام و أساليب القول قامت كالموجة التي تهدد ركود الغدران بالتحول أو الفناء.
لقد أعلنت السلطة طابعها أو انحيازها إلى أهل الفكر و تيارات الكلام، و جاء بيانها شديدا استفزّ العامة الذين كانوا قاعدة الحكام منذ عهد معاوية، و تهيأ على مر المراحل ممن لبس لبوس الدين، و تجلبب بجلباب العلم، أن يبذل أقصى ما يستطيع ليرضي السلطان، و يجعل الجمهور ينظر إلى حال الحاكم من خلال ما يصوّرونه لهم، فاحتل الحكام في أنظارهم موقع القداسة، و أحنوا الرءوس برغم ما يسفك من دماء، و تنتهك من حرمات، و يستباح من أعراض، فألفوا أمورا في كل شأن من شئون الاعتقاد و الحياة، و ورثوها على نمط الحكام و صياغة المنتفعين.
و للأسف، فإن تحوّل السياسة و انعطاف المأمون إلى أوجه جديدة فكرية متكلّفة، و ما أحدث ذلك من هزّة عنيفة، لم تعالج بما يساعد على كبح جماع الانفعالات و لجم الجهل، فإضافة إلى توافر أسباب الهياج و شيوع مضمون سياسة السلطة، و ما يوفره ذلك من مادة غنية لشدّ الجمهور و التلاعب بعواطفه، و دفع مشاعره إلى أشد حالات النقمة، أصبحت كلمة الجهل أو الأوصاف التي يطلقها رجال المناظرات و أساتيذ الكلام على خصومهم الذين يسترون جهلهم بالعناد و التعصب، أدلة أخرى ألّبت الناس على أهل الفكر قبل أن تألبهم على العباسيين و أغراضهم السياسية، فضاعت في وسط ذلك الأسباب الحقيقية لقيام مثل هذه المرحلة، و كان تقصير الجهات فيها متماثلا، إذ لم يبذل المعتزلة ما يكفي من جهد بعيدا عن السلطة، بل انتقلت حصيلة اعتقاداتهم إلى الحكام و ألحقتهم السلطة بها.
[١] ابن طيفور، ص ١٨١.