الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٩ - ٢- خلق القرآن
و على أي حال، فإن مشكلة القول بخلق القرآن- كما مرت الإشارة إليها- بلغت حدّا يستغرب فيه الإنسان وقوع تلك الأحداث المؤلمة في زمن اشتدت الصراعات فأصبحت فيه مقياسا يقاس به إيمان المرء و كفره، و بهذا انعطفت موجة الصراع المذهبي نحو مرحلة جديدة من الخلاف، خلّفت وراءها مادة أخرى، و محورا جديدا تدور عليه مشاكل الأمة في خلافاتها المتواصلة.
و في عهد المتوكل العباسي، عند ما أفل نجم المعتزلة، و أفلت منهم زمام الحكم، و انحازت السلطة لجانب أهل الحديث و هو الجانب المعارض الذي يمثله جماعة أحمد بن حنبل، فانصبّ الغضب على المعتزلة بعد أفول نجمهم، و استغل دعاة الفرقة فرصة انتصار جانب المعارضة، و طلوع نجم أحمد بن حنبل باعتباره من الشخصيات المعارضة للدولة في فرض القول بخلق القرآن.
فكثر أتباع هذا الجانب، و ظهرت الضغائن، و نبشت الدفائن، و سارت جموع مختلفة الاتجاهات، متباينة القوميات في ركاب اتباع أحمد بن حنبل إذ كان لهم دور السلطة في الدولة، و قد تجاوزوا أقصى حدّ في العقوبة و الانتقام ممن خالفهم و بالأخص من المعتزلة و الشيعة لعنا و قتلا و تكفيرا، و تمادوا في مهاجمة المعتزلة حتى قالوا: أن المعتزلي لا تجوز الصلاة عليه، و أن دماءهم حلال للمسلمين، و في أموالهم الخمس، و ليس على قاتل الواحد منهم قود و لا دية و لا كفارة، بل لقاتله عند اللّه القربة و الزلفى [١].
و قد ابتعدوا عن كل مبادئ العدالة، و خالفوا قواعد العلم مع المنطق، ففي سنة ٣٢٣ ه أحرق الحنابلة في الكرخ طرف البزازين، فذهبت فيه أموال كثيرة للتجار، و أطلق لهم الراضي ثلاثة آلاف دينار، و كان العقار لقوم من الهاشميين، فأعطاهم عشرة آلاف دينار، و احترق ثمانية و أربعون صنفا من أسواق الكرخ طرح فيه النار قوم من الحنابلة، حيث قبض بدر الخرشي على رجل من أصحاب البربهاري يعرف بالدلّال، و احترق خلق من الرجال و النساء [٢].
و خلفت الانفعالات و حالات التعصب و الجهل جنودا و أبطالا ماهرين في الأذى
[١] انظر الفرق بين الفرق ص ١٥١.
[٢] تكملة تاريخ الطبري ص ٩٣.