الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٥٤ - ثورات العلويين
إطارا لسلطة الإمامة الروحية التي لها في الأحداث رأي يصيب كبد الحقيقة، فرأى الإمام أن البيت العلوي مقبل على مأساة أخرى سيقدّم فيها الدماء و الأرواح، و كان عليه أن يسعى إلى حفظ هذه الدماء و حماية أهله، فأتى محمدا النفس الزكية و قال له:
«تحب أن يصطلم أهل بيتك؟» و لو لا حرصه على ذلك لكان أول من يعلن الثورة، و لكن كيف يدفع بأهله و الناس إلى التهلكة؟ و لقد كان (عليه السلام) من وفائه لأغراض العدل أن ترك ولديه موسى و عبد اللّه، و لم يبخل بهما على الثورة العلوية التي أدى استئثار العباسيين و تنصلهم من أقرب الناس إليهم إلى إصرار محمد و اندفاعه في الخروج لأنه يرى نفسه صاحب الأمر و المنصور قد بايع له.
كما كان الإمام يرمي إلى أن يحفظ مكانة البيت العلوي الذي تمثلت به القيادة الروحية. غير أن حقد المنصور قد وجد الذريعة للاعتداء على مكانة أهل البيت و سفك دمائهم، فعن الحسين بن زيد: إني لواقف بين القبر و المنبر، إذا رأيت بني الحسن يخرج بهم من دار مروان مع أبي الأزهر، يراد بهم الربذة. فأرسل إليّ جعفر بن محمد فقال: «ما وراءك؟» قلت: رأيت بني الحسن يخرج بهم في محامل.
فقال: «أجلس» فجلست. قال: فدعا غلاما له، ثم دعا ربّه كثيرا، ثم قال لغلامه:
«اذهب، فإذا حملوا فات فأخبرني». قال: فأتاه الرسول فقال: قد أقبل بهم. فقام جعفر، فوقف وراء ستر شعر أبيض من ورائه، فطلع بعبد اللّه بن الحسن و إبراهيم بن الحسن و جميع أهلهم، كل واحد منهم معادله مسوّد [١] فلما نظر إليهم جعفر، هملت عيناه حتى جرت دموعه على لحيته، ثم أقبل عليّ فقال: «يا أبا عبد اللّه و اللّه لا تحفظ للّه حرمة بعد هؤلاء، و اللّه ما وفت الأنصار و لا أبناء الأنصار لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بما أعطوه من البيعة على العقبة» [٢].
و نال حقد المنصور من الإمام الصادق نفسه؛ بل انفلت عداؤه، و حدث ما كان يخشاه الإمام، فكلّم الإمام بكلام غليظ و نهره و قال: يا جعفر، قد علمت بفعل محمد بن عبد اللّه الذي تسمّونه النفس الزكية، و ما نزل به، و إنما انتظر الآن أن يتحرك منكم أحد فألحق الصغير بالكبير [٣].
[١] أي أن كل واحد منهم جلس على الجهة الأخرى من محمله شخص من العباسيين أو أنصارهم الذين يلبسون السواد شعارا لهم- للمعادلة في حفظ استقرار المحمل-.
[٢] الطبري ج ٩ ص ١٩٤. و مقاتل الطالبين ٢١٩.
[٣] نور الأبصار.