الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٥٣ - ثورات العلويين
فقال عبد اللّه: كان هذا الكلام منك لشيء؟ فقال الصادق: «قد علم اللّه أني أوجب النصح على نفسي لكل مسلم، فكيف أدّخره عنك، فلا تمنّ نفسك بالأباطيل، فإن هذه الدولة ستتم لهؤلاء. و قد جاءني مثل الكتاب الذي جاءك» [١].
لقد بذل الإمام لأبناء عمه النصح، و جهد أن يجنّبهم المهالك، و يبصّرهم بعاقبة ما يقدمون عليه، بعد أن مرّت الأيام، و حدث التحوّل السياسي. فقد جاءت محاولة أبي سلمة متأخرة، لذا نرى الإمام الصادق (عليه السلام) يشير إلى أبي مسلم و أهل خراسان و لبس السواد، فكان عليه أن يحذّر الحسينيين، فلقي منهم استنكارا و اتهاما.
و لكنه (عليه السلام) كان يرى ما لا يرونه، و يعجزون عن معرفته، حتى كأن العواقب و مجريات الأحداث القادمة يقرأها في كتاب أمامه.
كما إنه (عليه السلام) لم يكشف من قبل عن رأيه في صور من التقرب كانت تبدر من أبناء عمومته تجاه الحكام الظلمة و التقائهم بالأمويين، فيما كان (عليه السلام) مشغولا بالواجبات الدينية و معالجة ما يعاني منه المسلمون، و حماية نفسه و شيعته من سلطان الجور و حكم الطغاة، فلما قتل زيدا يوسف بن عمرو صلب جثته بالكناسة، و بعث برأسه مع شبّة بن عقال، و كلّف آل أبي طالب البراءة من زيد، و قام خطباؤهم، فكان أول من قام عبد اللّه بن الحسن، فأوجز في كلامه، ثم جلس. و قام عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر، فأطنب [٢]. و إن صحّ ذلك، ففيه تجاوز لمقتضيات الحيطة و ضرورات التقية.
و إن الإمام الصادق في كيانه الروحي و الفكري كان على نهجه في عدم التقرب إلى الحكام و الالتقاء معهم إلا في حدود دفع الخطر و الهلاك، و كانت مصيبة زيد- كما أشرنا- قد آلمته كثيرا و أحزنته، و لكنه (عليه السلام) أظهر موقع ثورة زيد و الموقف منها. و لما بدأت في ظل العباسيين بوادر ثورة جديدة هي ثورة النفس الزكية بعد جهده في حملهم على العدول عن فكرة التعرّض لبني العباس بدولتهم، و أن في طرق الإصلاح سعة، و الدعوة بين المسلمين بمبادئ العدل و الإيمان هي أمان الأمة. و من نتائج منهج الإمام أن يكون المسلم على علم بانحراف الحكام، و يتعقب جورهم و فسادهم و باطلهم بالقول و الوعي، حتى كانت بيئة مدرسته (عليه السلام) و أوضاع حياته
[١] الآداب السلطانية ص ١٣٧. و مروج الذهب ج ٣ ص ٢٦٩.
[٢] زهر الآداب ج ١ ص ٧٩.