الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٣٦ - الإمام الباقر
بحبل ولايته، و لم يظهر لهما ممسك يقدم لهما الحكم، فيأمرهما الإمام بالتوقف عنده حتى يلقيا الإمام، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات.
و لم ترهب الإمام الصادق (عليه السلام) عداوات الحكام و الإحن الحي تملأ نفوسهم، و قام بمسئوليته في أداء الرسالة و توجيه الأمة إلى ما فيه خيرها و سعادتها.
فانقادت إليه النفوس، و آمنت بإمامته، فكان اتجاه الناس إلى حضرته لا يقارن به تهافت العامة على أبواب الحكام، بل تسمو العلاقة عن مثل هذا الانحدار، و الأمر واضح بين الاتجاهين بفروقهما، فمع الإمام دين و تقوى، و مع الحكام دنيا و طمع.
قال إسحاق بن إبراهيم: كنت عند أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل من خراسان فقال: يا ابن رسول اللّه، أنا من مواليكم، و بيني و بينكم شقّة بعيدة، و قد قلّ ذات يدي، و لا أقدر أن أتوجه إلى أهلي، أ لا أن تعينوني؟ فنظر أبو عبد اللّه و قال: «أ ما تسمعون ما يقول أخوكم؟ إنما المعروف ابتداء، فأما ما أعطيت بعد ما سأل؛ إنما هو مكافأة لما بذل من ماء وجهه، أ فيبيت ليلته متأرّقا متململا بين اليأس و الرجاء، لا يدري أين يتوجه بحاجته فيعزم على القصد إليك، فأتاك و قلبه يجب، و فرائصه ترتعد، و قد نزل دمه في وجهه، و بعد هذا فلا يدري أ ينصرف من عندك بكآبة الرد، أم بسرور النجح، فإن أعطيته رأيت أنك قد وصلته، و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):
و الذي فلق الحبة، و برأ النسمة، و بعثني بالحق نبيا لما يتجشّم من مسألته إياك أعظم مما ناله من معروفك».
و على أي حال، فإن سلطان الإمامة أصبح له كيان روحي معروف يقصده الناس من كل الأقطار، و تؤمن من كل البلدان. يروي عبد الرحمن بن سيّابة: لما هلك أبي سيابة، جاء رجل من إخوانه إليّ فضرب الباب علي، فخرجت إليه، فعزّاني و قال:
هل ترك أبوك شيئا؟ فقلت له: لا. فدفع إليّ كيسا فيه ألف درهم و قال لي: أحسن حفظها و كل فضلها. فدخلت على أمي و أنا فرح، فأخبرتها، فلما كان بالعشي أتيت صديقا كان لأبي فاشترى لي بضائع سابري، و جلست في حانوت، فرزق اللّه فيها خيرا كثيرا. و حضر الحج، فوقع في قلبي، فجئت إلى أمي و قلت لها: قد وقع في قلبي أن أخرج إلى مكة. فقالت لي: فردّ دراهم فلان عليه فهاتها، و جئت بها إليه، فدفعتها إليه فكأني وهبتها له فقال: لعلك استقللتها فأزيدك؟ قلت: لا، و لكن قد وقع في قلبي الحج فأحببت أن يكون شيئك عندك. ثم خرجت و قضيت نسكي. ثم رجعت إلى المدينة فدخلت مع الناس على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و كان يأذن إذنا عاما، فجلست في