الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٨٦ - مدرسة الإمام الصادق المنهج و التكوين
بصوابه؟ فلا بد لنا من إنسان يحكم بيننا، فأشار الضحّاك إلى رجل من أصحابه و قال:
هذا الحكم بيننا، فهو عالم بالدين.
قال مؤمن الطاق: و قد حكّمت هذا في الدين الذي جئت أناظرك فيه؟ قال:
نعم. فأقبل مؤمن الطاق على أصحاب الضحّاك فقال: إن صاحبكم قد حكّم في دين اللّه فشأنكم به. فاختلف أصحابه و أسكتوه، و خرج مؤمن الطاق منتصرا [١].
و كنا في الأصل قد خصصنا لحملة الإمام الصادق على الغلاة جزءا من هذا الفصل، غير أننا وجدنا أن البحث قد يطول و يتعدّى حدود ما نرجو له من عدم التكرار، و اكتفينا بما سبق من بحث لمشكلة الغلاة، و ما قام به الإمام الصادق من دحض لأقوالهم و فضح لمعتقداتهم، و فيه غنى و بيان واف لمنهج الإمام في ذلك، و قد كان جهده (عليه السلام) في هذا المجال مصحوبا بآلام نفسية. فهو يواجه أعداء تلبّسوا بروابط و ادّعاءات، و وجد نفسه (عليه السلام) هو و آباءه الكرام غاية أولئك الكفرة و غرض مسعاهم.
قلنا إن عصر الإمام الصادق شهد تيارات من الألحاد و الزندقة و غيرها، و قد كانت حركة الزندقة ذات خطر شديد، لأنها عبارة عن تنظيم اجتمع فيه حذّاق الكلام و الخائضون في المقالات و المذاهب، و وضعوا لأنفسهم خطة لإفساد العقائد، و زرع الشكوك في نفوس المؤمنين. و قد لفتت شخصية الإمام الصادق انتباههم و راحوا في مناسبات عديدة يقصدونه و هم على كفرهم، فيخرجون مقطوعين مدحورين.
و كان من أبرز قادتهم ابن أبي العوجاء [٢] و قد أشرنا إليه في أكثر من مورد سابقا و في أجزاء الكتاب السابقة. و قد اجتمع مرّة هو و نفر من الزنادقة منهم: ابن طالوت، و ابن الأعمى، و ابن المقفع في الموسم بالمسجد الحرام، و كان الإمام الصادق فيه إذ ذاك يفتي الناس، و يفسّر لهم القرآن، و يجيب عن المسائل بالحجج و البينات. فقال القوم لابن أبي العوجاء: هل لك في تغليط هذا الجالس، و سؤاله عما يفضحه عند
[١] انظر: رجال الكشي. و مناقب ابن شهر أشوب المازندراني.
[٢] يذكر الشيخ الصدوق أن ابن أبي العوجاء دخل مكة تمرّدا و إنكارا على من يحجّ، و كان يكره العلماء مسائلته إياهم و مجالسته لهم لخبث لسانه و فساد سريرته.