الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٦ - ١- الجمود الفكري
و اتقوا تقاة أنجتهم من تسلط العتاة. فضاعت أخبار كثيرة، و خمدت القرائح، و شاع الجمود الفكري، و فشى الجهل. و السلطة من وراء الجهّال تشدّ أزرهم، و تفتك بمن يحاول الخروج عن الطاعة «و إنه لطبيعي كذلك في أن يكون الملك عدوا لدودا لكل بحث و لو كان علميا يتخيل أنه قد يمس قواعد ملكه و تقويض كرسيّه و لهذا ضغطوا على حرّيّة العلم، و استبدّوا بمعاهد التعليم، و ربطوها بعجلة الدولة» [١].
و برغم ركام الأهواء تجد الحقيقة لها ألسنة و أقلاما تعبّر عن جوهر الدافع في الإبقاء على الجمود و بواعث سياسة الحكام الذين أحكموا إغلاق منافذ الفكر ليهيمنوا على الأمة، و أغلقوا باب الاجتهاد الذي تشبّث الشيعة لفتحه حماية للفكر و إغناء للفقه، فلما رأى بنو العباس أن وسائلهم في القهر لا تجديهم، أرادوا أن يأتوا الناس من باب التعليم، فيتولوا أمره بأنفسهم، ليربوا العلماء على الخضوع لهم، و يملكوهم بالمال من أول أمرهم، و كانت الأمة هي التي تتولى أمر التعليم بعيدا عن الحكومة، كما تتولاه الآن الأمم الراقية .. فيقوم في المساجد حرا لا يخضع لحكم ملك أو أمير، و يتربى العلماء بين جدرانها أحرارا لا يرقبون إلا اللّه في علمهم، و لا يتأثرون بهوى حاكم، و لا تلين قناتهم لطاغية أو ظالم. فأراد بنو العباس أن يقضوا على هذا التقليد الكريم، و يتولوا بأنفسهم أمر التعليم بين المسلمين، فأخذوا ينشئون له المدارس بدل المساجد، و يحبسون عليها من الأوقاف الكثيرة ما يرغب العلماء فيها، و يجعل لهم سلطانا عليهم، و أخذت الممالك التابعة لهم تعمل في هذا بسنّتهم، حتى صار التعليم خاضعا للحكومات بعد أن كان أمره بيد الرعية، و كان لهذا أثره في نفوس العلماء فنزلوا على إرادة الملوك، و لم تقو نفوسهم على مخالفتهم في رأيهم أو توجيه شيء من النصح إليهم [٢] فلما انتشرت المدارس الحكومية قام بنو العباس بالخطوة المكمّلة، فطلب من المنفّذين لسياستهم المشتغلين بالعلم ألا يذكروا شيئا من تصانيفهم، و ألا يلزموا الفقهاء بحفظ شيء منها؛ بل يذكروا كلام الشيوخ السابقين تأدّبا معهم، و تبرّكا بهم. فأجاب جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي بالسمع و الطاعة.
[١] كرد علي: الحضارة الإسلامية.
[٢] انظر: عبد المتعال، الصعيدي، في ميدان الاجتهاد ص ٧.