الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٤ - ١- الجمود الفكري
أن من أبرز معالم سيرته هو قتله دون بينة. حتى أن السلطان الذي غلب عليه الذين ساءهم انتصار السهروردي عليهم ندم و نقم على الذين أفتوا في دمه، و قبض على جماعة منهم و أهانهم و أخذ منهم أموالا عظيمة [١] كذلك فإنّ الذين يرمونه بالزندقة من المؤرخين لا يملكون إنكار براعته في علم الكلام، و كونه مناظرا محجاجا زاهدا من أذكياء بني آدم و رأسا في معرفة علوم الأوائل [٢].
و ذكر العماد الأصفهاني- المعاصر له- أن الفقهاء دعوا السهروردي للمناقشة في المسائل الفقهية، و في مسائل الأصول، فظهر عليهم، فحقدوا عليه، و بيّتوا أمرهم إلى الثأر منه، فدعوه إلى مناقشة علنية أخرى في مسجد حلب، و سألوه: هل يقدر اللّه على أن يخلق نبيا آخر بعد محمد؟ فأجابهم الشيخ: بأن لا حدّ لقدرته. ففهموا من إجابته أنه يجيز خلق نبي بعد محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو خاتم النبيين، و من ثمة أعلنوا مروقه من الدين، و كتبوا محضرا بكفره، سيروه إلى السلطان، فأمر بإعدامه و إحراق كتبه [٣].
و استمر أعداء حرية الفكر و دعاة الخضوع لسلطان الجهل و التقليد الأعمى بالحرب لعلماء الأمر، فثارت الأحقاد، و ظهرت العداوات و الانتقام. فهذا الفيلسوف ابن رشد- و كان مالكي المذهب و من فقهائهم- تولى القضاء بإشبيلية مدة تزيد على عشر سنوات، و قد قربه الملك أبو يوسف الملقب بالمنصور، مما أثار حسد الفقهاء و المتزمتين، فرموه بالكفر و الزندقة، و تمكنوا من تغيير الخليفة، فنقم عليه و استجوبه فقهاء قرطبة، و قرروا أن تعاليمه كفر، و لعنوا من يقرأها، و حكموا عليه بالكفر و النفي من بلده. و أمر الخليفة بحرق كتبه و كتب الفلسفة في جميع البلاد، و لعن ابن رشد، و نفي إلى جزيرة في قرطبة. و إنما لم يحكم على ابن رشد بالقتل أسوة بغيره ممن اتهم بسوء الاعتقاد لأن الذي يرأس المحكمة و يصدر الأحكام كان من علماء المالكية، فكانت المحكمة التي تعقد لمحاكمة المتهمين بالبدعة أو الضلالة أو الزندقة إنما يسند أمرها إلى القضاة المالكية لأنهم يخالفون سائر المذاهب في هذه التهم التي تلصق بمن تحاول الدولة قتله باسم الدين.
[١] المصدر نفسه ص ٦٤٤.
[٢] شذرات الذهب ج ٢ ص ٢٩٠.
[٣] انظر مقدمة كتاب هياكل النور.