الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٥٨ - أضواء من سيرته
الجبت و الطاغوت المنهي عنه، و ما حكم له به، فإنما يأخذ سحتا و إن كان حقه ثابتا له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، و من أمر اللّه عز و جل أن يكفر به، قال اللّه عز و جل:
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ».
قلت: فكيف يصنعان و قد اختلفا؟
قال (عليه السلام): «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا، فليرضيا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكم و لم يقبله منه، فإنما بحكم اللّه استخفّ و علينا ردّ. و الرادّ علينا كافر و رادّ على اللّه، و هو على حدّ من الشرك باللّه».
و النوعية التي هدف الإمام إليها، و التعبئة التي قام بها كانت تنزع عن السلطة قاعدتها، و تضع الحواجز بينها و بين الناس، و تكشف للمسلمين انغماس الحكّام في ملاذّهم، و مدى ابتعادهم عن الإسلام و استعدادهم لإنزال الأذى بالمسلمين، و استخدام قوتهم الغاشمة. فقرر الإمام أن يباشر دعوة الحق، و يقوم بإعداد الأمة، و يتبنى مهمة الإصلاح إلى حين استكمال عوامل الثورة- و لأنه لا يرى ما يراه الآخرون من ملائمة الظرف- أصرّ على هذا النهج حماية لأرواح المسلمين، لأن إعلان الثورة كان يعني سفك الدماء على أيدي الحكام الذين يتمتعون بالقوة و يتصفون بالقسوة و لا يتورعون عن انتهاك المحارم و إزهاق الأرواح في سبيل الحفاظ على سلطانهم و صيانة ملكهم، ثم إن النفوس امتلأت جراحا، و الأمر كما تبيّنه الأخبار و تعيّنه الآثار، فالإمامة معقودة لرعاية الدين و حماية العقيدة، و الأحداث تجري على نماذج من التضحيات، و أمثال من المواقف التي تشحذ الهمم و تؤجج المشاعر، و الخلافة العظمى بإمامتها الروحية تتبوأ المحل الذي وضعها اللّه فيه. و لكل فترة دور و حال.
و على ذلك يفسر الإمام الصادق قول اللّه تعالى: ذلِكَ وَ مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ فيقول: «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لما أخرجته قريش من مكة، و هرب منهم إلى الغار، و طلبوه ليقتلوه فعوقب، ثم في بدر عاقب، لأنه قتل عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة و الوليد بن عتبة و حنظلة بن أبي سفيان و أبو جهل و غيرهم، فلما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بغى عليه ابن هند بنت عتبة بن ربيعة بخروجه عن طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) و بقتل ابنه يزيد الإمام الحسين (عليه السلام) بغيا و عدوانا و قائلا شعرا:
ليت أشياخي ببدر شهدوا* * * (جزع) الخزرج من وقع الأسل