الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٣ - ١- الجمود الفكري
ينادي: من ذكر غير التفسير و الحديث و الفقه، و تعرّض لكلام الفلاسفة ينفى. و أفتى الذهبي بتحريق كتب علوم الفلسفة، و إعدام علمائها و القائمين عليها، إذ يقول: و ما دواء هذه العلوم، و علمائها القائمين بها علما و عملا إلا التحريق و الإعدام من الوجود [١]. حتى عدّ الاضطهاد في سبيل المذاهب و الأفكار سمة السياسة لأنه «منذ ظهر الإسلام كان من يخالف الجمهور في المعتقدات و الآراء يحمل إلى الولاة، فإما أن يستتيبوه أو يعاقبوه، و ما فتئ المهيمنون على الشريعة يثيرونها حربا شعواء على كل من جاهر بفكرة دعا إليها أو لم يدع، و يكفي في بلائه خروجه عن المألوف و العرف» [٢].
و انتهز العوام و المتفقهة فرصة غضب الملوك على الفلاسفة، فراحوا يروّجون التهم حول كثير من علماء الأمة إذا وجدوا ميلا من السلطان نحوهم، و كان شهاب الدين السهروردي من الحكماء الذين قربه الملك الظاهر غازي ولد السلطان صلاح الدين، فحسده علماء عصره، و ناظروه فانتصر عليهم. فالتجئوا إلى الدسّ و الكذب، و رموه بالكفر و الإلحاد، و طلبوا استئصال الشرّ بقتله حتى لا ينفذ إلحاده، فتمّ لهم ما أرادوا، و أمر السلطان ولده بقتله بلا مراجعة، فقتله سنة ٥٨٦ ه عن ٣٦ سنة، و عرف في التاريخ بالشاب المقتول.
و قد أورد ابن أبي أصيبعة أن الظاهر غازي بن صلاح الدين، دعا الفقهاء إلى مساجلة السهروردي، فانتصر عليهم و أفحمهم، فزاد حقدهم عليه، فدبروا له تهمة المروق عن الدين، و عملوا محاضرة بكفره، و سيّروها إلى الملك الناصر صلاح الدين و قالوا: إن بقي هذا فإنه يفسد اعتقاد الملك الظاهر، و كذلك إن أطلق فإنه يفسد أي ناحية يكون بها من البلاد. و زادوا عليه أشياء كثيرة من ذلك، فبعث صلاح الدين إلى ولده الملك الظاهر بحلب كتابا في حقّه بخط القاضي الفاضل و هو يقول فيه: إنّ هذا الشاب السهروردي لا بد من قتله [٣].
و مكانته في الفلسفة لا ينكرها حتى أعداؤه، فهي من أبرز صفاته عندهم، كما
[١] كرد علي، الحضارة الإسلامية ٢/ ٤٣.
[٢] المصدر نفسه ج ٢ ص ٦٩.
[٣] ابن أبي أصيبعة، الطبقات ص ٦٤٢.