الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١١٥ - الأمر الثاني الزهد
المنصور نظرة منكرة. فحلف بها. فما كان بأسرع من أن ضرب برجله الأرض و خرّ ميتا. فلما خرج الإمام لحقه الربيع و قال له: يا أبا عبد اللّه رأيتك تحرّك شفتيك، و كلما حركتها سكن غضب المنصور، بأي شيء كنت تحركها؟ قال: «بدعاء جدّي الحسين: يا عدّتي عند شدّتي، و يا غوثي عند كربتي، احرسني بعينك التي لا تنام، و اكنفني بركنك الذي لا يرام، و ارحمني بقدرتك عليّ، فلا أهلك و أنت رجائي، اللهم إنك أكبر و أجلّ و أقدر مما أخاف و أحذر، اللهم بك أدرأ في نحره، و أستعيذ من شرّه، إنك على كل شيء قدير» [١]. و يضيف المناوي إلى هذه الحادثة و هو يقول: و له كرامات كثيرة و مكاشفات شهيرة، منها ما أخرجه الطبري من طريق ابن وهب قال:
سمعت الليث بن سعد يقول: حججت سنة ثلاث عشرة و مائة، فلما صليت العصر، رقيت أبا قبيس، فإذا رجل جالس يدعو فقال: «يا رب يا رب» حتى انقطع نفسه، ثم قال: «يا حي يا حي» حتى انقطع نفسه، ثم قال «إلهي إني أشتهي العنب فأطعمنيه، و إن بردي قد خلق فاكسني» قال الليث رضي اللّه عنه: فما تم كلامه حتى نظرت إلى سلّة مملوءة عنبا و ليس على الأرض يومئذ عنب، و إذا ببردين لم أر مثلهما، فأراد الأكل، فقلت: أنا شريكك لأنك دعوت و أنا أؤمن. قال «كل و لا تخبئ و لا تدّخر» ثم دفع إليّ أحد البردين، فقلت: لي عنه غنى، فأتزر بأحدهما و ارتدى بالآخر، ثم أخذ الخلقين و نزل، فلقيه رجل فقال: أكسني يا ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فدفعهما إليه. فقلت: من هذا؟
فقال: جعفر الصادق [٢]. و هي لا شك من وحي الخيال الذي يرجون به أضفاء الواقعية على ما ينسبونه إلى أوليائهم و رجالهم، لأن الحال الذي تصوّر الرواية فيه الإمام الصادق بعيد عن شواهد حاله المعروفة، أو رغباته التي تدور في طاعة اللّه و مناجاته ربه فيما يهمّ المسلمين و صالح الأمة. فإذا ما قارنّا بين الأحداث و هي تروى بطرقنا، و صورتها و هي تفرّغ في قوالب خاصة بهم، نجد أن الأمر فيما يتعلق بالإمام الصادق أو غيره من أئمتنا، يمثل لجوء الأئمة إلى اللّه فيما يهمّهم، و لواذهم بقوته و عظمته. فلما قتل داود بن علي والي المدينة المعلى بن خنيس مولى الإمام الصادق الأثير عنده، هلك داود تلك الليلة، و أن الإمام الصادق قال في دعائه: «اللهم إني أسألك بنورك
[١] الشيخ الشبلخي، نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار، بتصرف بسيط. و انظر الكواكب الدرية.
[٢] الكواكب الدرية.