الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١١٤ - الأمر الثاني الزهد
بمهمات الإرشاد و الهداية، مقبل على الدنيا لأنها تربة يزرع بها الإنسان الخير بتمسكه بدينه، و نصرة عقيدة الإسلام، و تولي أهل بيت الرسالة الذين خصّهم اللّه بالإمامة، فجعلهم ينابيع هدى و تقوى، يغذوهم بالعلم، و يمدّهم بالسداد و التوفيق.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه تبارك و تعالى أعطى محمدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شرائع نوح و إبراهيم و موسى و عيسى: التوحيد و الأخلاص و خلع الأنداد، و الفطرة الحنيفية السمحة لا رهبانية و لا سياحة، أحلّ فيها الطيبات، و حرّم فيها الخبائث، و وضع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهم، ثم افترض عليه فيها الصلاة و الزكاة و الصيام و الحج و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الحلال و الحرام و المواريث و الحدود و الفرائض و الجهاد في سبيل اللّه و زاده الوضوء» [١].
و ما تراه الشيعة من خصائص أهل البيت لمنزلتهم الدينية و مكانتهم الروحية التي يعزّهم اللّه من أجلها، و يكلؤهم لحماية دينه، يدرجه المتصوّفة في باب الكرامات الصوفية، فمثلا: موقف المنصور العباسي منه، و مسلك الإمام الصادق (عليه السلام) في اتقاء شره، و ننقله هنا حسب مصنفات رجالهم: عند ما حجّ المنصور سنة سبع و مائة، قدم المدينة، فقال للربيع: ابعث إلى جعفر بن محمد من يأتينا به متعبا، قتلني اللّه إن لم أقتله. فتغافل الربيع عنه و تناساه، فأعاد عليه في اليوم الثاني و أغلظ في القول، فأرسل إليه الربيع. فلما حضر، قال له الربيع: يا أبا عبد اللّه، أذكر اللّه تعالى فإنه قد أرسل لك من لا يدفع شرّه إلا اللّه، و إني أتخوّف عليك. فقال الإمام: «لا حول و لا قوة إلا باللّه العظيم». و لمّا دخل على المنصور، أغلظ له في القول و قال: يا عدو اللّه، اتخذك أهل العراق إماما يجبون إليك زكاة أموالهم، و تلحد في سلطاني، و تتبع لي الغوائل، قتلني اللّه إن لم أقتلك. و أحضر الرجل الذي سعى به إلى المنصور، فقال له المنصور: أ حقا ما حكيت لي عن جعفر؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين. فقال الإمام الصادق: «استحلفه» فبادر الرجل و قال: و اللّه العظيم الذي لا إله إلا هو عالم الغيب و الشهادة الواحد الأحد، و أخذ يعدّد في صفات اللّه تعالى. فقال الإمام: «يحلف بما أستحلفه» فقال: حلّفه بما تختار، فقال الإمام: «قل: برئت من حول اللّه و قوّته، و التجأت إلى حولي و قوتي لقد فعل جعفر كذا و كذا». فامتنع الرجل، فنظر إليه
[١] الفصول المهمة للحر العاملي، باب إباحة الطيبات.