الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤١ - ٤ - الأخلاق الإسلامية
٢- أينما ذهبت من هذا العالم، ومن صادقت فيه من بني آدم؛ رأيته يمدح الصفات الحسنة ويبغض الصفات السيئة، فيرى الظلم والتعدي- مثلًا- أمورًا قبيحة بذاتها، ويرى العدل والاستقامة حسنة بذاتها .. وحتى أولئك الذين يعيشون في الغابات بإفريقيا، وأولئك الذين يهيمون في الصحاري والأدغال في أستراليا (من الهنود الحمر)، يرون ذلك ويجعلونه مقياسًا يعرفون به الصالح من السيِّئ في الناس. وحتى أولئك الذين يُنكرون وجود العدل والخير الأزليين، ويزعمون أن المادة هي كل شيء، وأن كل شيء نسبي كالشيوعيين عندما يريدون أن يمدحوا أحدًا يقولون: إنه يضحي، إنه يُؤثر المصلحة العامة، إنه لا يظلم أحدًا، إنه يُراعي حقوق العامل والفلاح، وهكذا. كما إنهم إذا أرادوا ذَمَّ أحد نعتوه بالظلم والاستغلال.
وإذا قلت لأحدهم: أنت ظالم أنت معتدٍ؟.
قال لك: كلَّا .. وجاء بألف تعليل وعذر حتى ينفي عن نفسه الظلم والتعدي.
إن هذا دليل صارخ على وجود أصالة للمثل.
والإسلام يقول: إن وجود العقل والجهل في النفس ليس على صفة الدوام؛ إذ إن من الممكن أن يضمحل أحدهما في مقابل الآخر إلى غير رجعة أو إلى حين.
أما قوة أحدهما فإنما هي بالممارسة، يعني أن الذي يُرجِّح الجهل على العقل باستمرار ولا يتبع عقله أبدًا لابد، يفقد عقله أخيرًا فلا يعود يشعر بحب الخير والحق [١]. أما الذي يتبع عقله باستمرار فإن الجهل سوف يذهب عنه نهائيًّا بحيث يصبح قدوة الآخرين في الفضيلة. إن هذا الفرد لا يحس بحبٍّ لنفسه، إذا خالف الحق، ولا يرى تعبًا في اتِّباع الحق والتضحية له.
كما أن العقل والجهل يتأثران بالتربية والتوجيه وبالوراثة والتغذية، ولذلك فإن الدين يستخدم كل ذلك للإصلاح.
٤- الاصلاح:
يرى الإسلام أن إصلاح الناس إصلاحًا شاملًا إنما يكون باتِّباع هدى العقل، ونبذ تسويلات الجهل؛ ذلك لأن العقل لا يُميِّز الخير للناس عن الشر فقط، بل يدفع الفرد
[١] قال الله سبحانه في صفة هؤلاء: إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ ءَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [٦] خَتَمَ اللّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظيمٌ سورة البقرة، آية: ٦- ٧.