الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٠ - ٥ - مغالطات مفضوحة
الجواب: نحن لا ننكر النظام والمادة، ولكن من خلق المادة والنظام؟ إن العقل يحكم بأن المادة لابد لها من خالق وأن النظام لابد له من مُدبِّر عليم، وهل يمكن أن يُنكر الإنسان شيئا بمجرد أنه لا يراه؟.
٤ يقولون: إن الإيمان بالله نشأ من ضعف الإنسان أمام قوى الطبيعة القاهرة في تلك الحقب المعتمة من تاريخ البشر، حينما لم يكن له ملجأ من الحر والبرد، ولا مُنقذ من المرض والعاهة، ولا وسيلة يدفع بها عادية الأعاصير أو يقهر بها المسافات في البر والأمواج في البحر. أما اليوم فقد قهر الإنسان بعقله العملاق الطبيعة وأخضعها لإرادته الجبارة فلم يبقَ ما يبرر الإيمان بالله.
الجواب: بالرغم من أن هذه المغالطة تشغل فكر الرجل العصري في كل مكان اعتزازًا بنفسه وغرورًا بإنجازاته ومكاسبه، فإنها تافهة جدًّا. وأول تساؤل نوجهه إلى أنصار هذه الفكرة هو: هل تخلص البشر نهائيًّا من أسباب الضعف التي كانت قديمًا تدعوه إلى التوسل إلى الله؟. أَوَلَيست الأمراض تتصاعد خطورةً وتتزايد عددًا؟. أَوَلَيست الوفاة، وهي أشد الحوادث هولًا، لا تزال تهدم أحلام البشر؟. أَوَلَيست الحروب تُشكِّل زاوية خطرة في بناء الحياة السعيدة؟. أَوَلَيست الحوادث الطبيعية لا تزال تقوى على البشرية؟ بل أليس الخضوع للإقليمية والمصلحية والطائفية والعنصرية ضعف في الإنسان لم يستطع معالجته حتى الآن؟.
والتساؤل الثاني هو: هل يقضي تقدُّم العلم بعدم الإيمان؟ أيزعمون أن الله يجب أن يُعرف في غرفة الاختراع أو تحت مجاهر كهربائية فإذا لم يوجد وجب إنكاره، أم أن تقدُّم العلم دليل إلى الله؟.
والحقيقة أن اتِّجاه الحضارة اليوم اتجاه كافر وإلَّا كان تقدُّم العلم سببًا لزيادة الإيمان لأنه:
أولًا: يجعل البشر يعتقد بأن وراء أفقه آفاقًا، وأن ما وصل إليه فكره ليس المنتهى الأخير كما كان يعتقد الأولون.
ثانيًا: يكشف أسرار الطبيعة التي تدلّ على اتقان الصنع وإحكام الخلق؛ ولذلك فإن مشاهير العلماء أصبحوا أول المؤمنين بالله. ونكرِّر: هل العلم يتأثر بتقدُّم الكشوفات؟.