الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٣
كان كاذبًا في نقله إذًا لكذَّبه الكفار فورًا [١].
٣- المعهود من أقوال الكفار المعاصرين للرسول (ص) أنهم كانوا ينسبونه إلى السحر، وقد قصَّ لنا القرآن ذلك نقلًا عنهم فقال: وَ لَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْديهِمْ لَقالَ الَّذينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلّا سِحْرٌ مُبينٌ [٢].
ولابد أنهم شاهدوا منه ما يتشابه والسحر في أعينهم فنسبوه إليه، جهلًا منهم بواقع السحر والفرق بينه وبين المعجزة. في حين أن الفارق بين السحر والمعجزة كبير، ويكمن في ثلاثة أمور:
الأول: إن السحر يحتاج إلى تعلُّم والمعجزة تأتي موهبة من عند الله، ولذلك فإن الساحر لا يكون ساحرًا إلَّا بعد سنين من الدراسة المرهقة، أما الرسول فإنه تصدر منه المعجزة بغير تعلُّم. والساحر لا يعرف إلَّا نوعًا خاصًّا من السحر بعد أن يُتقن معرفته، في حين يتمكن النبي من القيام بعدة معاجز مختلفة نوعًا في وقت واحد؛ فَمِنْ شقّ القمر إلى تسبيح الحصى إلى انقلاب الجذع نخلة باسقة.
الثاني: إن السحر يأتي باختيار الساحر وإرادته بينما لا يأتي الإعجاز إلَّا بإرادة الله سبحانه، ولذلك فإن السحر قد يأتي مؤيِّدًا للحق وقد يأتي مخالِفًا له، أما المُعجز فلا يقع إلَّا موافِقًا للحق، وللحكمة التي تُرشد إليها الرؤية الصائبة وفي سبيل الإصلاح.
وبكلمة: إن السحر يُستخدم في المطامع والأهواء بعكس المعجزة، التي لا يمكن استخدامها إلَّا في سبيل الخير، ولا يُؤتى بها إلَّا بإرادة الله. ومن هنا كان الكفار يطالبون الأنبياء (عليهم السلام) بالمعجزة في بعض الأحيان، ولا يستجيب لهم الأنبياء (عليهم السلام) قائلين: أنْ ليس لهم من الأمر شيء بل إن يشأ الله نزَّل عليهم آياته، في حين كان هوى النبي (ص) موافقًا مع إبداء الآية بحسب الظاهر، ولكن حيث إن الحكمة لم تكن مع إبدائها لم يكن الله تعالى يبعثها.
وأوضح شاهد على ذلك قصة موسى (ع) مع السحرة إذ لم يأذن الله لموسى بإلقاء
[١] قال الله تعالى، وهو يُبيِّن بعض آيات الله التي ظهرت على يد الرسول (ص) الخارقة: سُبْحانَ الَّذي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اْلأَقْصَى الَّذي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ الْبَصيرُ (سورة الإسراء، آية: ١). وقال: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (سورة آل عمران، آية: ٤٤). وقال: فَأَنْزَلَ اللّهُ سَكينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها (سورة التوبة، آية: ٤٠).
[٢] سورة الأنعام، آية: ٧.