الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٥ - الماركسية تتناقض
٣- ولدى شيء من التحليل نكتشف أن التجربة ذاتها تعتمد على مجموعة أحكام عقلية، كالحكم باستحالة التناقض والصدفة. ولو تصورنا العلم من دونها تبخَّرت معلوماتنا في لحظة واحدة.
٤- نحن نؤمن بحقائق غير مجربة ونعلم أن مصدر إيماننا ليست هي التجربة. ولا نؤمن بحقائق مجربة لأنها تخالف حكم عقولنا. فمثلًا: نرى أجنحة المروحة متلاصقة، ولا نؤمن بذلك. ولا نرى دوران البروتون في الذرة، بيد أننا نؤمن بها إيماننا بضوء الشمس.
وتتناقض الماركسية مع نفسها في تفسير حقيقة المعرفة فتقول على لسان ماوتسي تونغ [١]: «الخطوة الأولى في عملية اكتساب المعرفة هي: الاتصال بالمحيط الخارجي. الخطوة الثانية هي جمع المعلومات التي نحصلها من المعلومات الحسية وتنسيقها وترتيبها (مرحلة المفاهيم والأحكام والاستنتاجات) وبالحصول على معلومات كافية كاملة من الإدراكات الحسية (لا جزئية ولا ناقصة) ومطابقة هذه المعلومات للوضع الحقيقي (لا مفاهيم خاطئة) عند هذا فقط يصبح في المستطاع أن نصوغ على أساس هذه المعلومات مفهومًا ومنطقًا صحيحين».
وتنطوي هذه النظرية على الاعتراف بدور العقل الذي يقوم بتنسيق المعلومات وترتيبها. إذ من الواضح أنه لولا وجود نور يكشف عن طبيعة المعلومات وموضعها من جدول الأفكار كيف يمكن للنفس أن تقوم بعملية التنسيق والترتيب. فلو افترضنا عاملًا لا يعرف شيئًا عن الحساب هل يمكنه تنسيق معلومات وزارة الدفاع أو المخابرات المعقدة؟. ونحن نجد أن التنسيق يستنزف جهدًا عظيمًا منا، ومن خلاله نستخدم مئات الأحكام العقلية، فكيف ننكر فضلها في توجيه معارفنا؟.
هكذا اعترفت الماركسية من حيث لا تشعر بدور العقل، ولكنها أنكرته في مواضع أخرى من فلسفتها، وهذا هو التناقض.
وقد أكدت الماركسية هنا ما تبنته من تفاعل الإحساس والتنسيق، والعمل والعلم. ونحن لا ننكر ذلك، بل إن الإسلام أول من بشَّر بالتأثير الكبير الذي يُخلِّفه العمل على الفكر، والإحساس في العقل. إن العلم ضوء في القلب، ينمو باستخدامه كما تنمو كل
[١] ماو تسي تونغ (١٨٩٣- ١٩٧٦ م) زعيم الحزب الشيوعي الصيني منذ ١٩٣٥ م، حتى وفاته. كان سياسيًّا وقائدًا عسكريًّا صينيًّا.