الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٤ - ١ - الحاجة إلى الإمام
وَ رَضيتُ لَكُمُ اْلإِسْلامَ دينًا [١]. فَأَمْرُ الْإِمَامَةِ مِنْ تَمَامِ الدِّينِ وَلَمْ يَمْضِ (ص) حَتَّى بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ مَعَالِمَ دِينِهِ وَأَوْضَحَ لَهُمْ سُبُلَهُ وَتَرَكَهُمْ عَلَى قَصْدِ الْحَقِّ وَأَقَامَ لَهُمْ عَلِيًّا (ع) عَلَمًا وَإِمَامًا وَمَا تَرَكَ شَيْئًا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ إِلَّا بَيَّنَهُ. فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُكْمِلْ دِينَهُ فَقَدْ رَدَّ كِتَابَ الله عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ رَدَّ كِتَابَ اللهَ فَهُوَ كَافِرٌ هَلْ يَعْرِفُونَ قَدْرَ الْإِمَامَةِ وَمَحَلَّهَا مِنَ الْأُمَّةِ فَيَجُوزَ فِيهَا اخْتِيَارُهُمْ؟.
إِنَّ الْإِمَامَةَ أَجَلُّ قَدْرًا وَأَعْظَمُ شَأْنًا وَأَعْلَى مَكَانًا وَأَمْنَعُ جَانِبًا وَأَبْعَدُ غَوْرًا مِنْ أَنْ يَبْلُغَهَا النَّاسُ بِعُقُولِهِمْ أَوْ يَنَالُوهَا بِآرَائِهِمْ أَوْ يُقِيمُوا إِمَامًا بِاخْتِيَارِهِمْ.
إِنَّ الْإِمَامَةَ خَصَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ (ع) بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَالْخُلَّةِ مَرْتَبَةً ثَالِثَةً وَفَضِيلَةً شَرَّفَهُ بِهَا وَأَشَادَ بِهَا ذِكْرَهُ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: إِنّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا فَقَالَ الْخَلِيلُ (ع) سُرُورًا بِهَا: وَ مِنْ ذُرِّيَّتي قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَ مِنْ ذُرِّيَّتي فَأَبْطَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِمَامَةَ كُلِّ ظَالِمٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَصَارَتْ فِي الصَّفْوَةِ. ثُمَّ أَكْرَمَهُ اللهُ بِأَنْ جَعَلَهَا فِي ذُرِّيَّتِهِ أَهْلِ الصَّفْوَةِ وَالطَّهَارَةِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً وَ كُلًّا جَعَلْنا صالِحينَ (٧٢) وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا عابِدينَ [٢]. فَلَمْ تَزَلْ فِي ذُرِّيَّتِهِ يَرِثُهَا بَعْضٌ عَنْ بَعْضٍ قَرْنًا فَقَرْنًا حَتَّى وَرِثَهَا النَّبِيُّ (ص) فَقَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ: إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهيمَ لَلَّذينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذينَ آمَنُوا وَ اللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنينَ [٣]. فَكَانَتْ لَهُ خَاصَّةً فَقَلَّدَهَا (ص) عَلِيًّا (ع) بِأَمْرِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسْمِ مَا فَرَضَهَا اللهُ فَصَارَتْ فِي ذُرِّيَّتِهِ الْأَصْفِيَاءِ الَّذِينَ آتَاهُمُ اللهُ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَ قالَ الَّذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ اْلإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ [٤]، فَهِيَ فِي وُلْدِ عَلِيٍّ (عليهم السلام) خَاصَّةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِذْ لَا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ (ص) فَمِنْ أَيْنَ يَخْتَارُ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ؟.
إِنَّ الْإِمَامَةَ هِيَ مَنْزِلَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِرْثُ الْأَوْصِيَاءِ، إِنَّ الْإِمَامَةَ خِلَافَةُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَخِلَافَةُ الرَّسُولِ وَمَقَامُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَمِيرَاثُ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ (عليه السلامهما)، إِنَّ الْإِمَامَةَ زِمَامُ الدِّينِ وَنِظَامُ المُسْلِمِينَ وَصَلَاحُ الدُّنْيَا وَعِزُّ المُؤْمِنِينَ.
[١] سورة المائدة، آية: ٣.
[٢] سورة الأنبياء، آية: ٧٢- ٧٣.
[٣] سورة آل عمران، آية: ٦٨.
[٤] سورة الروم، آية: ٥٦.