الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٠ - الفلسفة الميكانيكية
إن الوجود هنا تعبير عن كلمة المادة- التي عبر بها الفلسفة الحديثة- والعقل هو النظام الموجود فيها.
ويقول أرسطو: فلابد لهذه المُتحرِّكات من مُحرِّك ولابد للمُحرِّك من مُحرِّك آخر مُتقدِّم عليه، وهكذا حتى ينتهي العقل إلى مُحرِّك بذاته أو مُحرِّك لا يتحرك؛ لأن العقل لا يقبل التسلسل في الماضي إلى غير نهاية.
ولكن لا يعني أن يكون المُحرِّك الأول دائمًا في تحريكه، بل قد يكون قد حرَّك الشيء ورفع يده عنه، بل هذا هو الواقع. إذ إن هذا المُحرِّك سابق للعالم في وجوده سبق العلة لا سبق الزمان كما تسبق المقدمات نتائجها في العقل ولكنها لا تسبقها في الترتيب الزمني.
وقد أفرط أرسطو، حتى قال: «إن الله- جلَّ وعلا- لا يعلم الموجودات لأنها أقل من أن يعلمها، وإنما يعقل الله أفضل المعقولات، وليس أفضل من ذاته؛ فهو يعقل ذاته، وهو العاقل والعقل والمعقول، وذلك أفضل ما يكون» [١].
ويغلو أفلاطون أحيانًا فيقول: «إن الله لا يشعر بذاته؛ لأنه لا يُميِّز ذاته من ذاته فيعرفها، ولكنه لصفاء وجوده يتنزه عن ذلك التمييز ويتنزه عن ذلك الشعور» [٢].
إن هذه الأفكار تُصوِّر الله سبحانه تصويرًا سلبيًّا مطلقًا، وتعتبر الوجود وما فيه من الحركة يجري بعيدًا عن إرادة الله سبحانه، وعن علمه وقدرته. ولقد صوَّر القرآن الكريم فلسفة هؤلاء بالقول: وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْديهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [٣].
وفي فلاسفة المسلمين من اتَّبع أفلاطون وعزل الحي القيوم عن مجال الكون، ورأى أن الوجود حقيقة ثابتة والحركة جزء من طبيعته، وأن هذه الحركة تسير قُدُمًا إلى أعلى بصورة ذاتية جوهرية.
ومن نتائج هذه الفكرة عزل المبدأ عن الألوهية والهيمنة على الكون، وعزله عن التشريع للإنسان؛ لأنه ليس بقادر سبحانه ولا عالم بطبيعة ما خلق، تعالى الله عما يصفون!!.
آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي(دام ظله)، الفكر الإسلامي - بيروت، چاپ: دهم، ١٤٣٢.
الفكر الإسلامي ؛ ص١٢٠
لمعجزة خرافة، والوحي إيحاء نفسي، والمعاد ليس كما تصفه ديانات السماء، وإنما
[١] فروغي، محمد علي، سير حكمت در أروبا، ج، ص. فخري، ماجد، أرسطو طاليس، ص.
[٢] راجع جمهورية أفلاطون، ترجمة حنا خباز.
[٣] سورة المائدة، آية: ٦٤.