الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٥ - المثالية الحديثة
نقد النظرية:
إننا حين نعلم شيئًا، فلابد أن نستند إلى مجموعة كبيرة من الأحكام العقلية. فالعلم بنواة الذرة- مثلًا- مبني على صحة التجربة وهي مستندة على حكم العقل. فإذا كانت عملية تفجير الذرة أمرًا واقعيًّا، فلا داعي إلى القول بأنه لا واقع أمامنا؟.
والحقيقة أن المثالية الفيزيائية لا تُنكر وجود العلم ولا وجود المادة التي يكشف عنها العلم، وإنما تُنكر فقط أن تكون المادة مجموعة جزئيات أصلية. بل تقول: إن التصور الجامد عن المادة غير صحيح. بل إنها حركة وطاقة في جوهرها. وهذه حجة قوية على وجود شيء وراء الشعور، وهو ما أنكرته المثالية الفلسفية. فاللفظ فقط قاسم مشترك بين المثالية الفلسفية والمثالية الفيزيائية وإلَّا فهما متباعدتان جدًّا.
جيم: المثالية الفيزيولوجية:
وتتلخص هذه النظرية في أن الإحساس، وهو المصدر الوحيد للمعرفة لدى هذه الدراسة، عملية فيزيولوجية ترتبط بالأعصاب وبناء المخ وشروط الزمان والمكان. ولقد اكتشف العلم أن حقيقة الكون التي تحس بالأجهزة العلمية تختلف جدًّا عما نحس به من دونها. ولذلك فإنهم قالوا: إن الإحساس ليس أداة أمينة لنقل المؤثرات الخارجية، وإن الحقائق تقوم بالنسبة إليه بدور المنبه فقط.
وهذه المثالية لها واجهتان:
- الأولى: علمية.
- الثانية فلسفية.
فالواجهة العلمية هي أن الأحاسيس لا تنقل إلينا كل الحقائق المرتبطة بها، فلذلك يحتاج البشر في سبيل الحصول على معلومات أدق عن الكون، أن يخترع أجهزة جديدة لكشف أكبر قدر ممكن من الحقائق. وهذه الواجهة تزيد من ثقة الإنسان بعقله.
والواجهة الفلسفية تهدف عدم الثقة بالمحسوسات بحجة أنها تتعرض لمؤثرات ذاتية.
أما الواجهة الأولى فإنها صحيحة؛ أي أن العلم يكشف لنا عن حقائق في محسوساتنا لا تبلغها حواسنا الاعتيادية .. إلَّا أنها- كما نعلم- تفيدنا ثقة بمعارفنا وبما تكشفه لنا من حقائق.