الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٨ - ٦ - السياسة الإسلامية
باء: ثم إن الناس لا يتَّفقون دائمًا في وضع شكل خاص للسلطة، أو فرد معين لممارستها، فيكون مبعث خلافات لا تنتهي (كما هي موجودة الآن)، وهي تُسبِّب شقاء البشرية.
جيم: إن الإنسان حين يكون مُعرَّضًا للخطأ في كل أطواره، ومُعرَّضًا للتأثر بالدعاية والتأثر بالنزعات والتأثر بالشهوات وما أشبه من أنواع المؤثرات في النفس، فلابد أن يأتي تعيينه لنوع الحكومة والحاكم خطأ على الأغلب (كما نجده اليوم وقبل اليوم، حيث نواجه كل يوم نظرية جديدة وشخصًا جديدًا وليس الثاني بأحسن من الأول وإن عارضه وخالفه).
دال: إن سلطة الشعب على نفسه تُمنى في أحسن الفروض بهذه المساوئ. أما إذا جاء الاستغلال- وهو آتٍ قطعًا-، وأما إذا استبد الرئيس بالحكم وزوَّر الانتخابات، وأما إذا أطاح الانقلاب العسكري بالحكم وحُلَّت الأحزاب؛ فهنالك شقاء ليس وراءه شقاء.
ولهذه النواحي وغيرها فقد قرَّر الدين أن حق الحكم إنما هو لله فقط، ولله أيضًا حق انتخاب الرئيس وليس للناس أن يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله.
والرسول مبعوث الله وخليفته في الأرض. يقول القرآن: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللّهِ [١]. والإمام خليفة الرسول لقول الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا أَطيعُوا اللّهَ وَ أَطيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي اْلأَمْرِ [٢].
أما بعد الإمام فيتولى شؤون المسلمين الفقيه التقي؛ لأنه ممثل عام للإمام (ع) بنص صريح منه، وهو قول الإمام العسكري عن الإمام الصادق (عليه السلامهما):
«فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِنًا لِنَفْسِهِ، حَافِظًا لِدِينِهِ، مُخَالِفًا عَلَى هَوَاهُ، مُطِيعًا لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ ..»
[٣]. وفي حديث آخر:«.. فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَأَنَا حُجَّةُ الله عَلَيْهِمْ»
[٤]. وفي حديث ثالث:«فَلْيَرْضَوْا بِهِ حَاكِمًا فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِمًا»[١].
[١] سورة النساء، آية: ٦٤.
[٢] سورة النساء، آية: ٥٩.
[٣] بحار الأنوار: ج ٢، ص ٨٨.
[٤] بحار الأنوار: ج ٥٣، ص ١٨٠.
[٥] وسائل الشيعة: ج ٢٧، ص ٣٠٠. كلمة الجعل التي نجدها في القرآن وفي هذا الحديث عند بيان سلطة النبي (ص) والفقيه توحي بأمر هام، هو أن سلطة النبي (ص)، وكذلك سلطة الفقيه؛ ليست ذاتية وإنما هي مجعولة اعتبارية مستمدة من سلطة الله سبحانه. إنها سلطة طارئة، سلطة عارضة.