الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٩ - ٢ - أي الأبدان تحشر؟
طبعًا لا!. حيث إن علمك لا يؤثر في الواقع الخارجي، فلست أنت الذي تقتل أخاك، بل إن لموته سببًا خاصًّا، وأنت فقط تعلم أنه سيموت.
فالعلم ليس إلَّا معرفة الواقع كما هو وليس سببًا في صنع الواقع.
وإليك مثلًا آخر:
تعلم أن زيدًا سوف ينتحر غدًا بصورة إرادية واختيارية، فهل يعني هذا: أنك قتلته؟ أبدًا؛ ذلك لأنه إنما انتحر بإرادته الخاصة ووفقًا لدواعي مخصوصة، ولست أنت إلَّا عالمًا بما سوف يجري. فالعلم لا يؤثر في صنع الأمر والواقع، بل في كشفه. ولدى مقايسه العلم بالمستقبل بالعلم بالماضي يُصبح الأمر أكثر وضوحًا، لو أنك علمت بأن زيدًا مات أمس فهل يعني هذا أن لعلمك تأثيرًا في هذا الموت؟.
وبما أن حقيقة العلم واحدة في الماضي والمستقبل فليس هناك مجال للقول بتأثير العلم في الواقع، وعلم الله بالأشياء لا يعني أنه هو الذي يفعلها مباشرة. فإنه يعلم مثلًا أن زيدًا سوف يختار الكفر بحريته وإرادته على الإيمان، وليس معنى هذا أنه تعالى يُجبره على ذلك.
وبتعبير آخر: إن زيدًا يختار بين الكفر والإيمان، ولابد أنه يختار بحريته التامة، فأيًّا منهما يختار؟ أنا لا أدري. ولكن الله يعلم بأنه سوف يختار- بكل حرية وإرادة- الكفر لا الإيمان. وهذا لا يعني سوى أنه يعلم بنتيجة الاختيار لا أنه هو الذي أجبر عليها صاحبها. أترى لو أنك عرفت أن لو خيَّرتَ ابنك بين دينار وبين متاع جميل قيمته نصف دينار، وعلمت بأنه سوف يختار المتاع- بكل حرية- فهل معناه أنك أجبرته على اختيار المتاع؟.
طبعًا لا!. إنما أنت عالم فقط.
٣- و يقولون: إن طينة كل فرد قد خُلقت بشكل خاص .. ف-:
«الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ ..»
[١]، وولد الزنا لا ينجب إلى سبعة بطون، ومن انعقدت نطفته في حرام لا ينجب [٢]. وهكذا الجينات الوراثية تؤثر في تعيين سلوك الفرد فهو مضطر إلى اتخاذ نوع خاص من السلوك؛ فهو إذًا مجبور وليس بمختار، كما يزعمون.[١] روضة الكافي: ج ٨، ص ٨١.
[٢] عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (ع) يَقُولُ: «لَا يَطِيبُ وَلَدُ الزِّنَا، وَلَا يَطِيبُ ثَمَنُهُ أَبَدًا، وَالْمِمْرَازُ لَا يَطِيبُ إِلَى سَبْعَةِ آبَاءٍ. وَقِيلَ لَهُ: وَأَيُّ شَيْءٍ الْمِمْرَازُ؟. فَقَالَ (ع): الرَّجُلُ يَكْتَسِبُ مَالًا مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ فَيَتَزَوَّجُ بِهِ أَوْ يَتَسَرَّى بِهِ فَيُولَدُ لَهُ فَذَاكَ الْوَلَدُ هُوَ الْمِمْرَازُ». الفروع من الكافي: ج ٥، ص ٢٢٥.