الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٩ - ٥ - مغالطات مفضوحة
في مغزاه بأن تتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار يقع في المطبعة دون فعل فاعل. إن احتمال أن يكون الضرب على آلة كاتبة على يد أمي سببًا لقصيدة شكسبير أبعد من أن يُشافى كل مرضى العالم بتناول مواد تقضي على أمراضهم صدفةً؛ كأن يذهب أحدهم إلى الحقل ويتناول حشيشة وصدفة يكون فيها دواؤه، ويذهب الآخر إلى البحر فيتناول صدفة سمكة يكون فيها شفاؤه، ويذهب الثالث إلى الصحراء وتلدغه أفعى يكون فيه دواء مرضه، وهكذا كل مريض في العالم وفي يوم واحد يشفى صدفةً بسبب مجهول. لو حدث مثل ذلك لما تمالكنا عن القول بأن معجزة إلهية كبيرة قد وقعت.
ثم كيف يمكن أن تكون الحياة صدفة مع أن الخلية الحية تحتوي على أجزاء منها البروتين، واحتمال أن يحدث بروتين واحد صدفة يتطلب- حسب نظام الاحتمالات- مادة يزيد مقدارها ألف مليون مرة عن المادة الموجودة؟. وأما المدة التي يمكن فيها ظهور نتيجة ناجحة لهذه العملية فهي أكثر من ١- ٢٤٣ عامًا، أي مائتان وثلاثة وأربعون صفرًا أمام عشر سنين. وبعد هذا هل يمكن القول بتكوُّن كل العالم صدفة؟.
جيم: وإن قلتم بالضرورة، أي أن المادة من طبيعتها ومن قانونها الاجتماع. قلنا: فلماذا كان ذلك حادثًا ولم يكن منذ القدم كذلك؛ فإن المادة قديمة (كما تدَّعون) وقوانينها قديمة فيجب أن يكون هذا العالم من قديم، ويجب أن تكون ما فيها من صور قديمة، وليس الواقع كذلك قطعًا.
وإن قلتم: إنما صارت كذلك بإرادة واختيار، قلنا: ممن كانت الإرادة؟ من الطبيعة أم من المادة أم من ذات أغلب وأقوى منهما؟.
إذًا دعنا ننظر: ما هي الطبيعة؟!. إن هي إلَّا النظام (وهل النظام عاقل؟). وما هي المادة، أليست المادة هذه الذرات، فهل هي الإرادة؟. ارجعوا إلى عقولكم وفكِّروا. ثم لماذا بدلت صورتها بعد أن كانت في صورة واحدة؟.
ثم من بدل صورتها؟.
الضرورة أم الإرادة أم بالصدفة، وكل ذلك من سفه الفكر.
٣- ويقولون: لقد تغلغلنا في أعماق المادة وكشفنا غورها البعيد فلم نَرَ غير المادة شيئًا وغير النظام مربيًا ومدبرًا.