الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢ - العقل وتقييم الأفكار
حسبت العقل وليد للمادة المتطورة نفسها، فادَّعت أنه يتطور أيضًا. ولم تستطع تلك الفلسفات اكتشاف حقيقة العقل التي لا تعدو أن تكون طاقة من نور زُوِّدت بها النفس للكشف عن الحقائق بصورة مباشرة. ولذلك فإن حكمه مشهود متيقن ثابت، وأن أي حكم يتغير أو يُتصوَّر فيه التغيير لهو ليس بحكم العقل. ومن هنا لا يمكن القول: بأن ٢* ٤/ ٢ إنما هو صحيح اليوم ويمكن أن يتطور غدًا حسب تطوُّر الأوضاع السياسية فيصبح ٢* ٥/ ٢؛ إذ هذا القول مضحك بذاته لدى كل نفس عاقلة. وأيضًا كان الزعم بأن القول (إن الحادث بحاجة إلى سبب) صحيح اليوم أما غدًا فحيث يحكم البلاد نظم جديدة في الاقتصاد، فإن الحادث يمكن أن يحدث بلا سبب، كان هذا الزعم قولًا مرفوضًا بذاته، وهكذا.
إن هذه الميزات الأربع تُبعد عن مجال حكم العقل ركام التصورات التي حسبها الجاهلون عقلًا، فخلطوا بها أحكام العقل الصحيحة، ووقعوا في فوضى لا نهاية لها.
خلاصة القول:
١- أن للعقل أحكامًا سابقة- لم تجرب- تكون مقياسًا للإنسان في معرفة الفكر الصحيح.
٢- وبالرغم من أن هذه الأحكام لم تُولد مع الإنسان فإنها ليست- أيضًا- وليدة تطور ذاتي له، أو مؤثرات مادية فيه، بل إنما هي موهوبة له في فترة البلوغ.
٣- وأن الأحكام ليست العقل ذاته، بل العقل هو الذي يكتشف تلك الأحكام للذات، وقد نتج من الجهل بهذه الحقيقة أن أخذ (كانت) و (ديكارت) وكثيرون آخرون؛ أخذوا ينقدون الأفكار النفسية ظنًّا منهم أنهم ينقدون العقل، وقد كانوا محتاجين إلى نور العقل في كل خطوة خطوة من نقدهم هذا. ولذا فإن نقدهم لتلك الأفكار، كان اعترافًا منهم بصحة العقل.
٤- أن للأحكام العقلية أربع ميزات؛ إنها جازمة لا ريب فيها، وشاملة لا تقييد فيها، وواحدة عند كل عاقل، وثابتة لا تطور فيها.
وسنرى بإذن الله، كيف تُكوِّن هذه الخصائص بعض القيم التي تستند إليها النفس في نقد أفكارها.