الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١ - العقل وتقييم الأفكار
الواقع وشهوده. فكيف يجد الإنسان الواقع ثم يشكك فيه؟. ومن هنا فإن الحكم بقبح الظلم وحسن التضحية وجمال الآداب ليست أحكامًا تقبل الريب، والذي يرتاب فيها يحاول الفرار منها بتغيير موضوعاتها بحيث تصبح الأحكام ليست هي التي تغيرت بل موضوعاتها فقط تبدلت، فمثلًا: الذي يقول: إن الظلم حسن؛ يُغيِّر معنى الظلم حتى يجعله يساوي معنى العدل، ثم يقول بأنه حسن.
٢- وأن أحكام العقل شاملة لا تُخصَّص، فإذا كانت الرذيلة قبيحة فليس هناك فرق بين أن تكون صادرة من كبير أو صغير، وفي أي عصر وأي زمان. وإذا كانت الحادثة بحاجة إلى علة مُحدِثة وسبب مُوجِد، فلا فرق بين أن تكون الحادثة رمي كرة القدم أم وجود كرة الأرض. وإذا كانت الصدفة محالة في وجود ساعة يد، فإنها محالة أيضًا في صنع مخ الإنسان. وإذا كانت معادلة: ٥* ٢٥/ ٥ صحيحة، فلا فرق أن تكون في أي وقت وأي مكان.
٣- وأن أحكام العقل تتفق عليها عقول البشر؛ فالعقل هو العقل في أي رأس عاش وفي أي مخ سكن. وما هي فضيلة أو رذيلة هنا فهي في كل مكان ولدى كل إنسان فضيلة أو رذيلة، ولذلك كانت الحجة بين العباد العقل- حسبما جاء في الحديث [١]- فلنذهب أنَّى شئنا فلن نجد الفضيلة في الخيانة والنفاق وبيع الأوطان وإيثار النفس على الآخرين. ولن نجد معاني التضحية والفداء والشجاعة والإباء من معاني الرذيلة. ومن هنا، فإن الأمم تتبارى بهذه القيم، وتجعل منها مقياسًا يحتجُّون به وينتهون إليه، وترتكز أجهزة إعلامهم على الادِّعاء بأنهم يُمثِّلون الفضيلة والعدل وأن أعداءهم يُمثِّلون الزيف والباطل. وهكذا أصبح العقل حجةً بين الأفراد ومقياسًا لكل أحكامهم، فلا يمكن- مثلًا- أن نتصور رجلًا عاقلًا في الأرض يحكم عقله بإمكان الصدفة أو صحة التناقض (تواجد الوجود والعدم في لحظة) والتشكيك في وجود الذات و ... و ...
٤- وأن أحكام العقل لا تتطور حسب تطور الأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية أو الفسيولوجية وما أشبه؛ لأنها تكشف عن الحقائق الخارجية. تمامًا كما لا تتغير المرآة وهي تعكس صور الحياة الناشطة الحركات .. وهنا تختلف الرؤية الإسلامية في المعرفة عن النظريات الذاتية والديالكتيكية التي سنتناولها بالبحث؛ بإذن الله. ذلك أن تلك النظريات
[١] جاء في الحديث عن الإمام الصادق (ع): «حُجَّةُ الله عَلَى الْعِبَادِ النَّبِيُّ، وَالحُجَّةُ فِيمَا بَيْنَ الْعِبَادِ وَبَيْنَ الله الْعَقْلُ» الكافي ج ١ ص ٢٥.