الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩ - العقل وتقييم الأفكار
التناقض والصدفة، وقبح الظلم والشر، وإمكان الخلق والإبداع، وحسن العدل والخير .. إن هذه السابقيات ليست ذاتها العقل، بل إنها حقائق يكشفها نور العقل للنفس كما يكشف ضوء الشمس ألوان الحقول. وكان خطأ الإنسان الأكبر غفلته عن مصدر النور وتوجهه إلى الأحكام؛ زاعمًا أنها هي حقيقة النور، فراح يبحث عن مصدر يقيِّم بها تلك الأحكام. ولو كان الإنسان قد تذكر أن الذي يساعده على البحث ليس إلَّا هذا النور، وأنه لو افتقده أصبح كالمجنون والنائم حيث لا يفهمان أمرًا ولا يعلمان شيئًا، وأنه أشبه شيء بنور الإرادة ونور الحرية اللذين تملكهما النفس البشرية، وتملك بهما القدرة على الاختيار وهي بذاتها قدرة ذاتية لا تعلل ..
أقول: لو فعل الإنسان ذلك إذًا لتخلص من سلسلة لا تنتهي من المشاكل العلمية التي أحاطت بنظرية المعرفة. ذلك لأنه- حينذاك- يجد أن البحث عنه- كما سلف- ضرب من الإسراف والترف الفكري. إذ ما من بحث إلَّا وهو يؤكد وجود قوة للإنسان تساعده على البحث، وهي بالتالي تنير طريقه إلى الحقيقة، وتلك القوة هي العقل، وهو نور مقدس عن الإحاطة به من لدن الذات.
من هنا كانت عملية (كانت) النقدية- التي سيأتي التفصيل عنها إن شاء الله، والتي استهدفت نقد العقل- كانت عملية موغلة في الجهل؛ إذ إن الغفلة عن نور العقل، ذلك النور الذي لم يستطع (كانت) ذاته القيام بعملية النقد دون وجوده لديه، إن الغفلة عنه فقط كانت السبب في التوجه إلى السابقيات الذهنية، كتصور الزمان والمكان والعلة و ... و ... لينقدها وينتهي بالتالي إلى نظرية النسبية ومنطقه الوضعي. ولو أن (كانت) كان يتذكر وجود نور يجعله يُقيِّم الأشياء ويعتمد على تقييمه هذا، وأن ذلك النور هو الذي يكشف له عن الزمان والمكان والعلة والسبب، إذًا لنقد الأشياء به، ولم يزعم أنه استطاع نقده هو، غافلًا عن أن العقل لا يمكن الإحاطة به فكيف يُتاح له نقده، وبأي شيء ينقد الإنسان عقله؟ أبعقله أم بجهله؟ والعقل لا يشكك في ذاته والجهل لا يمكنه نقد العقل.
ومن هنا أيضًا، أصاب (ديكارت) دوار عنيف في مسيرته عبر العقول إذ إنه شكك نفسه في معلوماته النظرية. وحين زعم أنه تخلَّص منها، قام ليبني صرح العلم على قواعد جديدة فلم يَرَ تحت رجليه حجرًا ثابتًا، وجرَّ إليه انتقادات كبيرة من لدن معارضيه من الحسيين. ورغم أن (ديكارت) عقلي التفكير فإنه أيضًا مخطئ في منهجه، وينشأ خطؤه من أمرين:
الأول: تشكيكه في أن تكون سابقياته الفطرية [١] ناشئة من النفس أو من قوة شيطانية
[١] لاحظ: بول فولكييه، الفلسفة العامة، من ص. و: فروغي، سير حكمت در أوربا، ج، من ص.