الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٤ - ٢ - أي الأبدان تحشر؟
رحم أمه، وأُدخل في كل بدن بعد أن بلغ أربعة أشهر في الرحم روحه الخاصة به بسبب حكيم، وأخرجه إلى الدنيا ثم أماته فانتقلت الروح إلى مكانها معذبة أو منعمة حتى تُعاد إليه مرة أخرى .. والفترة التي تمتد بعد الموت إلى حين البعث تُعتبر فترة الهجعة والرقدة؛ ذلك لأن الروح في الوقت التي تنفصل عن الجسم تبقى ذات علاقة به، تُشبه علاقة الشمس بالأرض، تبعث إليها بالنور من دون أن تدخل فيها.
هنا تنكشف عدة أمور:
١- أن الأرواح كان لها وجود مستقل وسيبقى لها ذلك بعد انفصالها عن الأبدان، ولها أعمال خاصة بها قبل وبعد ورودها في الجسم. وهذا يعني أنها محدودة وبإمكانها القيام بأعمال مستقلة. وقد كانت الفلسفة اليونانية تعتقد أن الروح مجردة عن المادة وليس لها مكان ولا زمان ولا حد، ولكن الإسلام سفَّه هذه الفكرة وبيَّن أن الأرواح مادية [١] تتشكل من أجزاء لطيفة، وأن لها حدودًا وأعمالًا. فبالإضافة إلى وجدان كل منا بأن نفسه ليست مطلقة وإنما هي محدودة ضمن المكان والزمان فتكون هنا ولا تكون هناك، وبالإضافة إلى شعور كل واحد منا بأن نفسه لم تكن ثم كانت، بالإضافة إلى هذا الوجدان فإن هناك دليلًا واضحًا على محدودية الأرواح ومحدودية إمكاناتها العملية بعد انفصالها عن الجسم، وهو ما كشفت عنه الاتصالات التي جرت بطريق أو بآخر مع الأرواح بأساليب حديثة وسُئلت عن إمكاناتها وخصائصها مما عُلِمَ منها أن كل روح محدودة بحدود خاصة، ولها أعمال خاصة منفصلة عن الجسم.
ومن هذا الواقع نعرف الرد على شبهة فلسفية حول المعاد تقول: إن الروح تبقى- على القول بالمعاد- معطلة، فلابد لها من الحلول في جسم جديد لكيلا تبقى معطلة. ورد هذه الشبهة أن الأرواح تتمكَّن من القيام بأعمال مستقلة، فإذا خرجت من الأجسام بدأت نشاطاتها الخاصة ولم تبقَ معطلة كما يقول صاحب الشبهة.
٢- أن الأرواح قد تتذكَّر من عالمها السابق أشياء، فقد ثبت علميًّا أن الإنسان قد يعلم كثيرًا من الأشياء من دون معلم. مثلًا: يذهب إلى مدينة لأول مرة في عمره ثم هو يهتدي إلى أسواقها ومعالمها وشوارعها، ويتذكر أنه سبق له أن رأى هذه المدينة بكل تأكيد.
[١] حين نقول (مادية) لا نقصد بها أنها مثل المواد المحسوسة، ولكن نقصد أنها مخلوقة ومحدودة وذات كثافة من نوع مختلف عن كثافة ما نراه من المواد.