الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٥ - ٢ - أي الأبدان تحشر؟
وأغرب من هذا أنه قد يتفق أن يرى الواحد منا رجلًا لأول مرة في عمره ويحسّ بأنه صديق منذ الأزل بما يكن له من حب ومعرفة سابقة. ولا يكون هذا دليلًا على أن الأرواح كانت تعيش في أبدان سابقة ثم انتقلت إلى أبدانها الجديدة كما زعم القائلون بالتناسخ حديثًا، وإنما هو دليل على وجود مسبق للروح على الجسم.
٣- أن حياة الجسم بالروح، وأن واقع الموت لا يعني سوى انفصال الروح عن الجسم، وهو أشبه شيء بالنوم الذي تنفصل فيه الروح عن الجسم قليلًا. وكما جاء في الحديث عن رسول الله (ص):
«وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ، وَلَتُبْعَثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ ..»[١].
كما جاء في حديث آخر عن الإمام الباقر (ع):
«كَانَ فِيمَا وَعَظَ بِهِ لُقْمَانُ ابْنَهُ أَنْ قَالَ: يَا بُنَيَّ ... وَإِنَّمَا النَّوْمُ بِمَنْزِلَةِ المَوْتِ، وَإِنَّمَا الْيَقَظَةُ بَعْدَ النَّوْمِ بِمَنْزِلَةِ الْبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ ..»[١].
وكما تُعذَّب الروح في حالة النوم بالأحلام المزعجة ويتأثر البدن بذلك إيلامًا، وتنعم بالأحلام الطيبة فتنعكس آثارها على الجسم أيضًا؛ كذلك يكون بعد الموت.
الجبر والاختيار:
يتحدث الناس عما إذا كانوا مختارين في أعمالهم أم مجبورين من قبل الله عز وجل ومن قبل قوى الكون. وهناك موضوع آخر سيأتي تحت عنوان (القضاء والقدر) حيث يجري الحديث حول أنه ما معنى أن الله قدَّر هكذا، أو قضى هكذا؟ أيمكن أن يكون معناه أنه سبحانه يجبر الناس ويضطرهم على ما هم عاملون، أم له معنى آخر؟.
ولابد لنا في الموضوع الأول أن نقول:
إن الوجدان الشخصي الذي هو أكبر شاهد على الحقيقة، يشهد بأن الإنسان عندما يقوم بأعماله العادية، يكون متمتعًا بحرية تامة في الاختيار، ومعنى ذلك أنه يجد نفسه حينذاك غير مُكره على اختيار أحد الطرفين، وأن له استطاعة تامة في أن يُقْدم أو لا يُقْدم، يعمل أو يترك، يختار هذا الطريق أو ذاك. ألست ترى نفسك حينما تنتقل من وإلى البيت أنك تخطو باختيارك، ولك أن ترجع؟ وحينما تقرأ كتابًا أنك تقرأ بحريتك ولك ألَّا
[١] بحار الأنوار: ج ٧، ص ٤٧.
[٢] بحار الأنوار: ج ١٣، ص ٤١٧.