الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٥ - ٤ - التذكر بالل - ه
هكذا تحاول الآيات والنصوص الإسلامية إزالة جحود الجاحدين بالتخويف والترغيب، وعلى الداعي أن يستعمل الأسلوب نفسه ليكون ناجحًا.
مرحلة الجدال:
تمهيدًا لعرض طائفة من الشبهات ودحضها، يجب أن نعلم أن الجدال يعني في منطق القرآن، المناقشة بصفة عامة، وهو على نوعين: جدال ممدوح وآخر مذوموم، وهما:
١- الجدال بالتي هي أحسن.
٢- الجدال بغير التي هي أحسن.
والحديث التالي يُفرِّق لنا بين النوعين، كما يُبيِّن حكمهما لدى الإسلام:
ذُكِرَ عِنْدَ الإمام الصَّادِقِ (ع) الْجِدَالُ فِي الدِّينِ وَأَنَّ رَسُولَ الله (ص) وَالْأَئِمَّةَ المَعْصُومِينَ (عليهم السلام) قَدْ نَهَوْا عَنْهُ؛ فَقَالَ الإمام الصَّادِقُ (ع): «لَمْ يَنْهَ عَنْهُ مُطْلَقًا لَكِنَّهُ نَهَى عَنِ الْجِدَالِ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، أَمَا تَسْمَعُونَ الله يَقُولُ: وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلّا بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ، وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ادْعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ. فَالْجِدَالُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قَدْ قَرَنَهُ الْعُلَمَاءُ بِالدِّينِ، وَالْجِدَالُ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مُحَرَّمٌ، وَحَرَّمَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى شِيعَتِنَا. وَكَيْفَ يُحَرِّمُ اللهُ الْجِدَالَ جُمْلَةً وَهُوَ يَقُولُ: وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى، قَالَ اللهُ تَعَالَى: تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ؛ فَجَعَلَ عِلْمَ الصِّدْقِ وَالْإِيمَانَ بِالْبُرْهَانِ، وَهَلْ يُؤْتَى بِالْبُرْهَانِ إِلَّا فِي الْجِدَالِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؟!.
قِيلَ: يَا ابْنَ رَسُولِ الله! فَمَا الْجِدَالُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَالَّتِي لَيْسَتْ بِأَحْسَنَ؟.
قَالَ (ع):
أَمَّا الْجِدَالُ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: أَنْ تُجَادِلَ مُبْطِلًا فَيُورِدَ عَلَيْكَ بَاطِلًا فَلَا تَرُدَّهُ بِحُجَّةٍ قَدْ نَصَبَهَا اللهُ تَعَالَى، وَلَكِنْ تَجْحَدُ قَوْلَهُ أَوْ تَجْحَدُ حَقًّا يُرِيدُ ذَلِكَ المُبْطِلُ أَنْ يُعِينَ بِهِ بَاطِلَهُ فَتَجْحَدُ ذَلِكَ الحَقَّ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْكَ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي كَيْفَ المَخْلَصُ مِنْهُ؛ فَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى شِيعَتِنَا أَنْ يَصِيرُوا فِتْنَةً عَلَى ضُعَفَاءِ إِخْوَانِهِمْ وَعَلَى المُبْطِلِينَ.
أَمَّا المُبْطِلُونَ فَيَجْعَلُونَ ضَعْفَ الضَّعِيفِ مِنْكُمْ إِذَا تَعَاطَى مُجَادَلَتَهُ وَضَعُفَ فِي يَدِهِ حُجَّةً لَهُ عَلَى بَاطِلِهِ، وَأَمَّا الضُّعَفَاءُ مِنْكُمْ فَتُغَمُّ قُلُوبُهُمْ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ ضَعْفِ المُحِقِّ فِي يَدِ المُبْطِلِ.