الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٧ - ٧ - معطيات الإيمان
يتمتع أيضًا بالكرامة والأمن في ظل المجتمع الجاهلي؛ ذلك لأنه لا يظلم أحدًا أبدًا.
ومن لا يَظلم لا يُظلم. ولو أنه ظُلِم، فلأنه يحتسب مظلمته عند الله، فإن شقاءه سوف يُخفّف كثيرًا؛ لأن هناك فرقًا نفسيًّا كبيرًا بين من يعلم بأنَّ بعد هذه الحياة يومًا ينتقم الله فيه من الظالم أضعافًا مضاعفة، ومن لا يعلم ذلك؛ فإن الأول يستسلم لما لا بد منه راضيًا بالانتقام الآجل بينما يحترق الثاني بنار الحقد والقلق الذي لا مناص له منها. هذا فيما إذا كان الظالم أقوى منه، وإن كان أضعف فمن خصال المؤمن العفو عمَّن ظلمه، وهذا العفو تنازل اختياري عن الحق المشروع فلا يكون شقاءً عليه [١].
إذًا فالإيمان يُجنِّب الإنسان من الشقاء المتسبب عن مظالم الناس بعضهم لبعض بطرق ثلاثة:
١- تشريع نظم تضمن للناس- كل الناس- حقوقهم العادلة.
٢- تحريم الظلم الفردي مهما كان صغيرًا، ورد المظالم مهما كانت حقيرة.
٣- تسلية النفس المؤمنة بالرضا لما لابد منه في انتظار يوم القيامة. أو العفو عن الظالم لمن انتصر على الظالم، وهذه معالجة نفسية، وتلك معالجة خارجية عامة وخاصة.
قال الله تعالى في صفة المتقين: الَّذينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَ الضَّرّاءِ وَ الْكاظِمينَ الْغَيْظَ وَ الْعافينَ عَنِ النّاسِ وَ اللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ (١٣٤) وَ الَّذينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللّهُ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ [٢].
وجاء في الحديث عن الإمام أمير المؤمنين (ع):
«إِنَّ لِأَهْلِ الدِّينِ عَلَامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا: صِدْقُ الحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَرَحْمَةُ الضُّعَفَاءِ، وَقِلَّةُ المُؤَاتَاةِ لِلنِّسَاءِ، وَبَذْلُ المَعْرُوفِ، وَحُسْنُ الخُلُقِ، وَسَعَةُ الخُلُقِ [٣]
، وَاتِّبَاعُ الْعِلْمِ وَمَا يُقَرِّبُ إِلى الله عَزَّ وَجَلَّ، طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ..»[١].
[١] قال رسول الله (ص): «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ خَلَائِقِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟. الْعَفْوِ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَأَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ، وَإِعْطَاءِ مَنْ حَرَمَكَ. وَفِي التَّبَاغُضِ الحَالِقَةُ، لَا أَعْنِي حَالِقَةَ الشَّعْرِ وَلَكِنْ حَالِقَةَ الدِّينِ» (مستدرك الوسائل: ج ٩، ص ٩).
[٢] سورة آل عمران، آية: ١٣٤- ١٣٥.
[٣] حسن الخلق يعني أن يكون هشًّا بشًّا كريم النفس. وسعة الخلق يعني إلَّا يضيق صدره عند نزول بلاء أو رؤية سيِّئ لا يُلائمه.
[٤] بحار الأنوار: ج ٦٤، ص ٢٨٩ ..