الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٩ - ٦ - السياسة الإسلامية
٣- ويرى الإسلام أن السلطة لا بد أن تُعطى بيد من فيه الكفاءة، وهي: (الفقه) والأمانة وهي: (التقوى). ولا ينظر إلى نسبه ووطنه وحسبه ولا أي شيء آخر من الشؤون المادية أبدًا؛ ذلك لأن المهم في الرئيس إتقان ما عُهِدَ إليه به من دون ضعف أو عجز أو خيانة، وهو يتوفر في الفقيه العادل سواء كان من هذا الوطن أو ذاك، هاشميًّا أو لا، إذ لا قيمة للملاكات المادية في هذا المجال.
ولو أن الدين كان يشترط أمرًا ماديًّا [١]- خارجًا عن قدرة الناس-، فقد ظلم ذوي المواهب الذين يقدرون على نيل السلطة، وظلم الناس بمنعهم عن مواهب أولئك.
٤- كما أنه يعتبر الدولة دولة دستورية يحكم عليها القانون الإسلامي، وليس لأحد من أبنائها، ومنهم الرئيس، أن يُبدِّل حكم الله [٢] أبدًا، ويجعل لذلك ضمانات نشير إليها بإجمال:
ألف: من شروط الرئيس أن يكون تقيًّا. ومعنى التقوى: العمل بالدين، ومن عطَّل أحكام الله فليس فاسقًا أو ظالمًا فقط بل هو كافر أيضًا لقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [٣]، ويعزل عن الرئاسة فورًا.
باء: إن الرئيس يعزل بمجرد أن يعمل بالمعاصي أو بمجرد أن لم يحكم بما أنزل الله، ويجري عزله ببساطة جدًّا، حيث يجب على الذي عرف منه المعصية أن يتراجع عن متابعته ويرجع عن تقليده.
جيم: أن المجتمع المسلم مجتمع واعٍ يعرف أحكام الله ويراقب الرئيس فيها، فمتى انحرف الرئيس قوَّمه ولو بالسهم [٤].
دال: في الحكومة الإسلامية ليس للرئيس قوة إلَّا بالدين- كما سيأتي- فمتى انحرف عن الدين خارت قوته وخرَّ صريعًا.
[١] خلافا للفارابي الذي اشترط في الرئيس أن يكون قوي الجسم.
[٢] قال الله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللّهَ وَ لا تُطِعِ الْكافِرينَ وَ الْمُنافِقينَ إِنَّ اللّهَ كانَ عَليمًا حَكيمًا [١] وَ اتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبيرًا (سورة الأحزاب، آية: ١- ٢) على عكس أكثر التشريعات البشرية التي جعلت للرئيس الحق في تغيير القانون في كثير من الظروف.
[٣] سورة المائدة، آية: ٤٤.
[٤] قال محمد بن مسلمة لعمر: «لَوْ مِلْتَ عَدَلْنَاكَ، كَمَا يُعْدَلُ السَّهْمُ فِي الثِّقَافِ ..» [الزهد والرقائق، لإبن المبارك، ح].