الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٩ - ١ - كلمات في البدء
٢- المنهج الصوفي؛ وقد انبثق هذا المنهج من الإغراق في التقشف وجَعَلَ الإنسان رمز الشرور والخطيئات الذاتية، وجَعَلَ فناء الإنسان في غياهب العدم والسلبية هو المنهج القويم الموصل بهم إلى الحقيقة. ونرى هذا التصور الخاطئ بارزًا في الفلسفة البرهمية والفلسفات الآسيوية البعيدة، وقد طرقت أبواب المسلمين في بداية القرن الثاني مع نشاط حركة الترجمة بين المسلمين.
وهذا المنهج ينكر دور العقل في معرفة حقائق الكون، ويدعو إلى السلبية ونبذ النظم الدينية والاكتفاء بالصفاء الروحي الذي يتحوَّل شيئًا فشيئًا إلى الانطواء أو اللامبالاة. والواقع أن ابتعاد هذا المنهج عن روح الإسلام هو كبعد الإسلام عن روح الجاهلية. إذ إن هذا المنهج يعتمد على العمل أكثر من اعتماده على العقل!. بل ويكفر بدور العقل والاستدلال النظري بتاتًا، ويتصوَّر أن معرفة الله هي فوق مستوى العقل. وهذا قول مرفوض وباطل كما تحدثنا عنه في القسم الأول من هذا الكتاب.
٣- المنهج الإسلامي؛ ويستوحى من القرآن الحكيم، ويقوم على أصول ثابتة من الفطريات المسلمة والمتميزة عن دواعي الهوى والغضب، وميزته الأساسية إيقاظ الوعي وإثارة العقل والدعوة إلى التدبر والتفكر والتوجيه إلى الانفتاح على الحياة لمعرفة أعماقها وملامسة أغوارها ومخاطبة روحها النقية الخالصة. ولا ينسى هذا المنهج دور العمل كما لا يجرد العقل عن العمل، وأسلوب الحديث في هذا المنهج التذكرة والتنبيه والابتعاد أبدًا عن المراء والجدل والمكابرة على الحق.
وركيزة الحديث فيه التبشير والإنذار وذكر الأمثال من الأمم السابقة، كيف نجا فيها من نجا؟. وكيف هلك منها من هلك؟.
ونحن نتبع هذا المنهج لأن الإسلام لا يمكن فهمه إلَّا من حيث المجموع؛ لأنه بناء متين ينبغي أن يُدخَل فيه برفق وتدبر، ولأنه طريق قريب، واضح المعالم، بليغ البينات، منسجم مع الفطرة، وضرورات الحياة.
ولقد استوحينا المنهج من هدى القرآن حين حاولنا التلمذة عليه دون أن نحاول التأويل فيه، أو مواجهته برواسب الثقافات الغريبة [١].
[١] راجع مقدمة الطبعة الرابعة في مطلع هذا الكتاب.