الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠ - العقل وتقييم الأفكار
داخلها. ولم يعلم أن تشكيكه إنما هو في التصورات الغامضة التي لم تتنور بعلم الإنسان. أما الحقائق الواضحة التي أحاط بها علم البشر فلم يمكن التشكيك فيها أبدًا. ولهذا عاد (ديكارت) نفسه فاعترف بالنفس، وعلل اعترافه بأنه يجدها ظاهرة مميزة أمامه بحيث لا يمكنه إلَّا الاعتراف بها.
الثاني: غفلته عن حقيقة النور الذي كان معه في لحظة تشكيكه في العقل، وإلَّا فكيف استطاع أن يبلغ بالتشكيك مرحلة متقدمة منه بترتيب النتائج على الأسباب. كيف استطاع أن يقول: يمكن أن يكون هناك شيطان مضلل للفكر؟ .. مع أن علمه باستلزام سبب للأفكار الخاطئة إنما هو ناشئ من حكم عقلي مسبق وهو: (لابدية السبب لكل شيء)، وأن علمه بأن الشيطان يقوم بالإضلال، يقوم على أساس وجود ضلالة وهداية، وقبح الضلالة وحسن الهداية. وكل هذه الأحكام عقلية. وكان مَثَل (ديكارت) في ذلك مَثَل الذي يُشكِّك في وجود الشمس ثم يرينا الحقول والواحات المضاءة بالشمس ويقول: لو كانت الشمس موجودة لما كانت لها ظلال وارفة. إن مجرد رؤية الحقول والواحات دليل على وجود الشمس، وإن الظلال الوارفة ذاتها لهي دليل على وجودها. فكيف يستدل بهما على عدم وجود الشمس؟! وهكذا القدرة على التشكيك نوع من إثبات نور العقل.
والواقع: أن (ديكارت) لم يحاول التشكيك في عقله، إنما شكَّك في ركام الجهل الذي تجمَّع فوق النفس البشرية وزعم الإنسان أنه علم وعقل. لذلك فإن تصوره للعقل يختلف عن العقل الذي أرشد إليه الدين، فإنه زعم أن العقل إنما هو كل ما في النفس البشرية من تصورات، أما الإسلام فيرى أن التصورات ليست إلَّا معقولات يكتشفها نور العقل وينقدها.
فمرة أخرى رأينا كيف اضطربت وتناقضت مقاييس البشر حين زعمت أن المسبقات ذاتها العقل، في حين أن العقل هو: ما يُنوِّر للنفس تلك المسبقات العلمية.
خصائص الأحكام العقلية:
وحين نتذكر العقل ونكتشف أن حقيقته نور مقدس عن إحاطة الأذهان، وأنه الذي يكشف لنا الحقائق الأخرى بصورة ذاتية وغير ممكنة التعليل؛ حينذاك نجد أن الأحكام العقلية تتميز:
١- بأنها ثابتة جازمة لا تقبل الريب؛ إذ إن ذاتها الكشف، والكشف يعني ملامسة