الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٦ - ٢ - أي رب ندعو إليه؟
وفي تفسير قوله: فِطْرَتَ اللّهِ الَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها قَالَ (الإمَامُ الصَّادِقُ (ع)):
«فَطَرَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ»[١].
إن هذه الحقيقة لتهدينا إلى عدة حقائق:
ألف: إن البشر لا يحتاج لمعرفة الله إلى أكثر من التوجيه والتذكير.
باء: إن ما قاله الماديون في تفسير توجه الناس إلى الدين ورغبتهم الملحة إلى معرفة الله: إن ذلك من ضعفهم وجهلهم عن التفسير الصحيح للحوادث؛ إنما هي ضلالة بعيدة، إذ لو لم تكن لديهم فطرة أولية تهديهم إلى الله لما أظهروا ضعفهم بهذا الشكل.
جيم: إنما السبب في توجُّه الناس إلى الله وترك ما كانوا يعبدون من الشركاء، وذلك حين تمسهم الضراء والبأساء، إنما السبب في ذلك وجود معرفة فطرية لديهم بالله، إذ تنقشع عن أنفسهم آنئذٍ حجب الغفلة والمصلحة ويتوجهون إلى الله.
دور الأنبياء في المعرفة:
بما أن الإنسان مفطور على المعرفة في عالم سابق على هذا العالم، ولم يحدث له إلَّا النسيان والغفلة عن تلك المعرفة والاحتجاب عنها باتِّباع الشهوات، فإنه لا يحتاج الآن إلَّا أن يُلفَت نظره إلى ما غفل عنه من المعرفة بعد أن ترفع عن وجهه غشاوة الحجب. ولم يكن من الممكن عودة الإنسان اللاصق بالأرض بمباهجها ومشاكلها وأمانيها البعيدة إلَّا برسول مبعوث من الله؛ إذ إن هذه العودة تستوجب تناسي الإنسان لعالمه المادي القريب وتطلُّعه إلى الآفاق البعيدة حيث الغيب الذي يُدبِّر أمور الحياة، وذلك أمر مستصعب لا يلائم طبيعة الإنسان، ولهذا بالذات بُعث الأنبياء (عليهم السلام)؛ فقد جاؤوا لكي يُنذروا البشر عن التمادي في الغفلة عن معرفة الله تعالى، ويذكروهم بربهم الذي أنعم عليهم بنعم لا تحصى.
ولقد كانت هذه سنة الأنبياء (عليهم السلام). فهذا القرآن تذكرة بالله، فليس في القرآن سورة، بل ولا آية، إلَّا وتُذكِّر بالله بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ورفع حجب الغفلة من
[١] بحار الأنوار: ج ٣، ص ٢٧٧. هناك مجموعة ضخمة من الشواهد العلمية الحقيقية والأدلة الفلسفية تؤكد الحقيقة إلَّا أن المجال لا يسع لذكرها؛ لأننا لسنا الآن في معرض بيان هذه الحقيقة، بل إنما نريد هنا عرض الفكرة الإسلامية عن التوحيد وتفسير عدة ظواهر وجدانية عنها.