الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٩
طهارة النفس ونقاءها لا تجتمع مع الكذب والخيانة في أمور بسيطة فكيف بالخيانة العظمى المتمثلة في دعوى الرسالة كذبًا، إن هذه الرسالة التي يدَّعيها إنما هي من الله إلى البشر جميعًا.
هذا من ناحية شخصية الرسول التي تدل على صدق رسالته، وهو:
١- رجل واحد يتحدى التاريخ كله والبشر كلهم، ويبعث الإنسان بعثًا جديدًا في تصوره وسلوكه وأخلاقه، ويكوِّن شخصيات نموذجية لا مثيل لها [١].
إن هذا لم يقع ولن يقع لغير الرسول الصادق المؤيَّد بالغيب، حيث لم يشهد التاريخ إنسانًا استطاع توحيد القبائل المتناحرة في وحدة تجعلهم كأنهم بنيان مرصوص، ثم قام ببعثهم إلى العالم حاملين رسالة العدل والحق والسلام إلى كل إنسان في الأرض.
٢- إنسان أمي لم يتعلَّم عند أي فرد ولم يدرس الكتب ولا خط بيديه شيئًا. هذا الإنسان ينقلب- بعد البعثة مباشرة- إلى بحر زاخر من المعارف التي عجزت البشرية عن سبر غورها حتى يوم الناس هذا. هل يكون ذلك إلَّا رسولًا صادقًا؟.
٣- ودليل آخر نلمسه في انقطاعه المديد إلى الله سبحانه، وعبادته التي لم يكن لها مثيل، والتزامه قبل كل أحد بشريعته التي أنزلت عليه، بل إيجابه على نفسه من فروضها أكثر من أمته كصلاة الليل والتهجد بها؛ وإن في ذلك دليلًا قويًّا على صدق دعوته، ولم يكن ليقول ما يقول إلَّا باعتقاد جازم وقناعة شخصية تامة، ذلك مهما استطاع المرء أن يخدع الناس فإنه لا يتمكن من أن يخدع نفسه خداعًا يحملها على الأعمال الصعبة دون عقيدة راسخة وإخلاص تام.
قال الله سبحانه:
- وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [٢].
- قُلْ لَوْ شاءَ اللّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [٣].
[١] وإلى هذا الدليل ترجع الكلمة الشهيرة التي تقول: إن علي بن أبي طالب (ع) من معاجز الرسول. والواقع أن بناء شخصية مثالية كعلي (ع) لدليل واضح على صدق رسالة النبي محمد (ص).
[٢] سورة العنكبوت، آية: ٤٨.
[٣] سورة يونس، آية: ١٦. في هذه الآية تصريح بأن النبي (ص) كان أميًّا، ومن الواضح أنه إن لم يكن كذلك لكذَّبه أعداؤه الذين لم يفتروا يراقبون جميع حركاته لعلهم يجدون مهمزًا يشنون من خلاله حملات دعائية ضده، فلو لم يكن أميًّا بالفعل لم يكن يُصرِّح بذلك ليُعطي مادة نقد دسمة بيد أعدائه وهم قد عاشروه خلال أربعين سنة.