الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٣ - الفلسفة الميكانيكية
ليست بعلم إنما هي معلوم، ولي (علم) بها. وهكذا الوجود والموجود.
الكون له وجود هذا صحيح، وهو كما نقول: إن الإنسان له علم، ولكنه ليس بوجود كما أن الإنسان ليس بعلم.
ولا يزال الأمر غامضًا فنقول: إذا كان الكون هو الوجود فلماذا ينعدم، لماذا يكتنفه العدم، لماذا هو محدود، لماذا هو حادث، لماذا هو متناقض؟.
يقرر علم الفلك مثلًا: أن الكون يتسع بالتسلسل الدائم، وأن كل مجاميع النجوم والأجرام والأجسام الفلكية تتباعد بسرعة مدهشة بعضها عن بعض. ويمكن أن تُفسَّر هذه الحالة تفسيرًا جيدًا إذا سلَّمنا بوقت للبدء كانت فيه كل الأجزاء التركيبية مركزة ومجتمعة مع بعضها ثم بدأت الحركة والحرارة. ويقدر العلماء أن هذا الكون قد وجد نتيجة (لانفجار) هائل وقع منذ (٠٠٠. ٠٠٠. ٠٠٠. ٥٠٠٠ سنة) [١].
هكذا تتباعد الأجرام وتدل على أنها لم تكن ثم وُجدت. والسؤال هنا أنه ما دامت طبيعتها ليست بطبيعة الوجود والحركة، والدلالة على ذلك أنها لم تكن ثم كانت، فليس من الممكن أن تعود طبيعتها إلى طبيعة الحركة. وهكذا نستدل على أنها ليست بحقيقة الوجود!.
وهنا يكمن سر الأمر، لو كانت حقيقة الكون هي الوجود لم يصح أن نقول: إن الكون كان معدومًا ثم وُجد مع أنه كذلك، فقد كان معدومًا في بعض الأزمان، بل مجرد التغيُّر فيه عدمٌ من جهة ووجودٌ من جهة أخرى.
وبتعبير موجز ومركز: إن الكون كان عدمًا، فهو ذاتي العدم. ولا يمكن أن يتحوَّل ذاتي العدم إلى ذاتي الوجود، فإنما تتحوَّل الأشياء بالإبداع إلى عرضي الكيان يحتاج في بقائه إلى سبب كما يحتاج وجوده إلى سبب.
وإن هيغل قد انحرف عن المنهج حينما تصوَّر أن ما يراه حوله من سماء وأرض وبشر هو الوجود. ثم تصور أنه ليس بوجود مطلق فقال: «إنه معدوم». ثم رأى أنه بعيد عن الفطرة (أي معدومية الكون) فقال: «انتقال الوجود إلى العدم، ولكن العدم هو الوجود ..» [٢].
[١] الإسلام يتحدى: ص ٧٨.
[٢] إمام، د. إمام عبدالفتاح، المنهج الجدلي عند هيجل، ص، ط/ م، الناشر: دار التنوير، لبنان، بيروت.