الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٤ - الفلسفة الميكانيكية
وإذا كان هيغل قد أُوتي قدرًا أكبر من قوة الملاحظة لعرف أن الوجود لا يمكن أن يكون عدمًا، وأن الكون موجود بالوجود؛ أي أن له قدرًا من حقيقة الوجود. وبذلك كان ينفي مشكلته تمامًا.
ولا نريد الاسترسال في بحث الوجود الذي يحتاج إلى سفر ضخم، ولكن نريد أن نضع أيدينا على منطلق الخطأ في نظرية الميكنة الفلسفية، وهو بتطبيق مبدأي الذاتية والوجود في الكون، وهو يعرف بالتدبر في حقيقة الخلق.
ما هو الخلق؟.
إذا كان الكون ليس بحقيقة الوجود وأنه كان عدمًا، فكيف انقلب من العدم إلى الوجود؟. وهل يمكن أن يتحوَّل الشيء عن طبيعته الذاتية، العدم يعني لا شيء فكيف ينقلب إلى شيء؟. هذا لا يُتصوَّر، فليس الكون قد انقلب من العدم إلى الوجود في عملية مجهولة .. كلَّا.
بل إن الله تعالى أعطى الكون الوجود، ويُعطيه بصورة مستمرة. فالكون قائم بقيُّوم وموجود بنور الحي الذي لا يزول. وعلى هذا فليس الكون الذي نشاهده ونلامسه موجودًا بصورة مستقلة ودائمة، بل هو موجود بنور الوجود الذي يحفظه عن الزوال.
إن الوجود، نور يُرَشُّ على الكون فيصبح موجودًا. وإذا أردنا أن نُعبِّر عن هذا الواقع بتعبير علمي لقلنا: الكون حركة تستمر بمحرِّك خارجي، لو توقَّف عنه لتوقَّفت أي زالت.
وهنا لا تتبخر فكرة الكثافة في الوجود والاستمرارية في حركته فحسب، مما تنسف قاعدة الميكنة في الوجود، بل وتهدينا إلى الخطوط العريضة للفلسفة الواقعية التي تُطابق معلوماتنا المتناثرة وهي الفلسفة الإسلامية.