الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١١ - الديالكتيك فلسفة عامة
نمعن النظر نرى أن كل حركة إنما تحدث بهذا السبب. فالحركة في البيضة تبدأ بنمو أجزائها، وحين تكبر تضيق البيضة بها فتنفلق.
وهنا نضع أيدينا على رمز عظيم، هو أن كل حركة تحدث بسبب وجود تناقض ولكن لا بسبب اجتماع نقيضين. وجود تناقض بين المحرِّك والمتحرك، لا يمكن أن يجتمعا في مكان فيدفع الأقوى الأضعف إلى الخارج. ولكن لا يعني هذا اجتماع نقيضين أي احتواء المكان الواحد للمُحرِّك والمتحرك في مكان وزمان معينين. وبتعبير آخر: هذا تناقض خارجي أي وجود شيئين في مكان كل منهما يقتضي أمرًا مختلفًا عن الآخر. فإذا حاولا التجمع في مكان حدث التناقض، أي حدث تحكم مبدأ امتناع وجود المتناقضين في مكان فحدثت حركة من هذا الأمر. وهذا أمر متفق عليه من قبل الديالكتيك والميتافيزيقيا، وهو دليل على أن اللفظ فقط كان الحاجز بين الفلسفتين.
٣- ومبدأ عدم التناقض الذي تبنَّاه الفلاسفة الشكليون يشترط أن يكون الإثبات والنفي في شيء واحد ووقت واحد وحالة واحدة.
ومن الطبيعي- بعد هذا- ألَّا يبقى في الدنيا عاقل يُصحِّح اجتماع النقيضين ويقول: إن المثلث في الوقت الذي له ثلاثة أضلاع فله أيضًا أربعة أضلاع، وأن أمة اليونان في الوقت الذي كانت موجودة في التاريخ كانت أيضًا معدومة، وأن الإسلام حقٌّ كله وباطل كله في لحظة ومن جهة واحدة، وهكذا .. ومن هنا نعلم أنه ليس من التناقض في شيء، تعارض أجزاء الكون وتنازع أحيائه على البقاء. فالفعل ورد الفعل في الميكانيك ليس بتناقض؛ لأن زمان الفعل شيء يختلف عن زمان رد الفعل.
صحيح (أن لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتجاه)، ولكن ليس من الصحيح أن هذا تناقض، إذ إن الفعل يسبق رد الفعل فلا يجتمعان في الزمان. ولأن الفعل يعاكس رد الفعل في الاتجاه فليسا في مكان واحد، بل كما سبق لو كان التناقض ممكنًا لما كان لكل فعل رد فعل، إذ إنهما- إذًا- جمدا في مكانهما.
وكذلك الخط السالب والموجب في الكهرباء ليسا متناقضين، لأنهما:
أولًا: يشغلان خطين مختلفين ومكانين فلا اجتماع في المكان.
ثانيًا: يتحولان إلى الحركة لدى اجتماعهما ولا تتولد الحركة إلَّا دفعة، ولا يمكن أن تحدث الدفعة إلى الأمام لو لم يضق المكان بهما.