الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٣ - الديالكتيك فلسفة عامة
وترى الفلسفة الديالكتيكية أن التناقض هو سبب الحركة، عين ما تراه الفلسفة الغيبية كما سبقت، بيد أن اللغة تختلف. فالديالكتيكية تُركِّز على الجانب الإيجابي منه وتقول: وجود تناقض بين شيئين (يعني في مكانين أو زمانين إذا حاولا الاقتراب من بعضهما) هو السبب الوحيد للحركة.
والفلسفة الغيبية تُركِّز على النقطة ذاتها (أي امتناع اجتماع نقيضين مختلفين في شيء واحد في مكان واحد وحالة واحدة)، وتقول: إنه هو الذي يُسبِّب الحركة.
ولا ينكر صاحب الديالكتيك هذه الحقيقة ولا يُمكنه أن ينكرها؛ إذ لو أنكر امتناع اجتماع نقيضين في شيء واحد ومكان واحد، إذًا لما حدثت الحركة، بل جمدت الحياة؛ إذ تعيش أجزاؤها المتناقضة في تحابب وتواد.
وهنا ينبغي الالتفات إلى نقطة، وهي أن الديالكتيكية غيَّرت لفظة العلة إلى لفظة التناقض، فبدلًا من أن تقول: إن المواد الغذائية تسبب نمو الجسم، وإن الحركة تسبب صرف المواد في الجسم؛ تستعمل لفظة التناقض فتقول: تحليل المواد يتناقض مع النمو. ونحن في الفلسفة لا نبحث عن قائمة المصطلحات بل نبحث عن الحقيقة، وهي تقول لنا: إن كل حركة تحدث بسبب تلاقي شيئين مختلفين في مكان واحد ووقت واحد. وهذا يدعونا إلى الاعتراف بوجود سبب للحركة، ووجود سبب لسببها، لأن التلاقي لا يحدث إلَّا بسبب آخر، وذلك السبب بدوره نتيجة لسبب آخر، وهكذا ...
وبهذا نعرف أنه لا يمكن للمادية الديالكتيكية أن تُفسِّر حقيقة الحركة في الكون بمبدأ التناقض؛ إذ إنه لا يعدو أن يُبيِّن لنا لماذا يتحرك الشيء بعد تلاقيه بنقيضه، ولكن لا يقول لنا لماذا يتلاقى الشيء بنقيضه.
فالمبدأ الديالكتيكي يُفسِّر لنا حقيقة العلية الموجودة بين الأشياء، ولا يمكنه أن يُفسِّر وجود العلة. ويكون أشبه شيء بذلك الذي يُسأل عن سبب الخسوف، فيجيب بأنه يسبب الظلام في ليلة قمراء، أو يُسأل عن سبب حركة السيارة، فيجيب عن وجود تناقض بين دفعة المحرك للإطار ودفعة الأرض للإطار إلى أعلى حسب مبدأ أن لكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه.
إن مبدأ الفعل ورد الفعل لا يفسر لنا إلَّا نوعية تسبب الضغط للحركة، دون سبب