الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٥ - الديالكتيك فلسفة عامة
يهدينا إلى وجود سبب ما لهذا التبخر وإن كنا نجهله تمامًا. كيف انقلبت المادة الميتة إلى خلية حية؟. إننا حتى اللحظة نجهل السبب، ولكن لا يعني هذا وقوع الأمر دون سبب.
أم يعني أن القفزة تعتبر تطورًا أساسيًّا؛ أي أن المادة تنقلب إلى حقيقة أخرى لها ميزات مختلفة عن الحقيقة السابقة، فهذا أيضًا صحيح. فللبخار مثلًا خواص مختلفة عن الماء الذي يغلي؛ إذ إن امتداد البخار كافٍ لرفعه عن الأرض وامتداد الماء المغلي يكفي لذلك.
والماركسية استغلت هذا المبدأ بعد أن فسرته تفسيرًا بعيدًا عن العقل والعلم، استغلته لإثبات بعض الأمور:
١- أن قفزات التطور تكون بصورة ديالكتيكية نابعة من تناقضات داخلية في الشيء!
ولكن سبق أن مبدأ التناقض الداخلي في الفلسفة الديالكتيكية لا ينافي وجود أسباب خارجية، بل إنه لا يعدو أن يكون تفسيرًا لحقيقة التسبب لا إغناء عن وجود سبب.
كما أن تطور الماء إلى بخار لم يكن دون سبب خارجي وهي الحرارة التي سخنت الماء.
٢- أن الحركات الاجتماعية تحتوي على قفزات طبيعية صاعدة يتطور المجتمع خلالها من الاقطاع فالرأسمالية إلى الاشتراكية فالشيوعية؛ لأن المجتمع محكوم بقوانين الطبيعة تمامًا، بيد أنه سيُعلم، لدى الحديث عن المجتمع، سيُعلم- إن شاء الله- عقم هذه النظرية التي تُفسِّر المجتمع الإنساني بالتفسيرات المادية التي تحكمها قوانين الطبيعة العمياء.
مضافًا إلى ذلك نقول: إن التطورات الاجتماعية لن تتحقق دون عوامل معينة، وأن الإنسان أوتي قدرة التحكم على تلك العوامل بقدر ما يتمكَّن من التحكم بالأسباب الطبيعية.
ثم إن التطورات الاجتماعية لن تكون صاعدة أبدًا، بل قد تنتكس كما ينتكس خط الطبيعة. فالماء لا يتبدَّل إلى بخار دائمًا، بل قد يتحوَّل البخار إلى مطر غزير.
من هنا نعرف أن القواعد الأربعة للفلسفة الديالكتيكية لا تثبت أمام النقد الإيجابي إلَّا إذا فُسِّرت تفسيرات مناسبة.