الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٨ - ٣ - الدليل إلى الله
ويفترقان بعنصر العمر، والزمن، أو الحالة والمكان، وما أشبه.
ولو افترضنا إلهًا غير ذي العرش- تعالى- إذًا لكان بينه وبين الله سبحانه فارقًا يُميِّزه عنه كالمكان والزمان و .. و .. ولكان الفاصل خالدًا خلود الإلهين لأنه مُقوِّم لهما مُحقِّق لوجودهما ولولاه لما تميَّز عن الإله الآخر.
ثم يأتي الحديث عن هذا الفاصل الذي يُميِّز بين الإلهين والذي افتُرض أنه قديم؛ فنقول: إنه لو كان قديمًا لكان وجوده من نفسه، وإذًا لكان غنيًّا عن الخلق. إذ كل شيء قديم لا يمكن أن يكون مخلوقًا بل غنيًّا عن الخلق وبالتالي إلهًا، وإذا كان كذلك فلابد أن يكون بينه وبين الإلهين فارقان، ولكان الفارقان إلهين أيضًا، ولكان يجري فيهما ما قد جرى في الآلهة السابقة من لزوم الفارق بينهما وبين غيرهما من الآلهة، وهذا لا يقف عند حدٍّ محدود، إذ كلما افترضنا إلهين قلنا فيهما: إنهما يحتاجان إلى ما يُفرِّقهما عن بعضهما ولابد أن يكون الفارق إلهًا، وهكذا نستمر إلى ما لا نهاية.
كل ذلك فيما لو افترضنا أن الإلهين بعيدان عن بعضهما، أما لو قلنا: إن أحد الإلهين يكون حاملًا للآخر إذًا لكان المحمول مخلوقًا محتاجًا، ولم يكن في الكون إلَّا إله واحد.
٢- ثم إن وجود إلهين اثنين لا يخلو من أن يكون واحدًا من أمرين؛ أما أن يقدر أحدهما على دفع الآخر عن موضعه أو لا يقدر. فإن كان قادرًا، لم يكن ذاك الآخر إلهًا، وإن لم يكن قادرًا لم يكن هذا إلهًا؛ إذ الإله لابد أن يكون قادرًا بالذات، ولا تكون القدرة الذاتية محدودة أبدًا؛ إذ- كما مرَّ- إن الذاتي يعني أن كون القدرة من ذات الفرد، ولا يناسب القدرة الذاتية العجز عن ناحية معينة. فمثلًا: يكون الله قادرًا بالذات ثم لا يكون قادرًا على خلق نجمة مضيئة؟!. هذا تناقض.
وبما أن العجز عن التغلُّب على الإله الآخر نوع من العجز، فإنه لا يناسب القدرة الذاتية، إذ إنَّا نعرف- بالوجدان- أن القدرة بالذات لا يمكن أن تنقلب إلى العجز ولو بالنسبة إلى شيء واحد.
جاء في السنة: عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ سَأَلَ الزِّنْدِيقُ الإمَامَ الصَّادِقَ (ع) عَنْ قَوْلِ:
«مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ طِينَةٌ مُوذِيَةٌ فَلَمْ يَسْتَطِعِ التَّفَصِّيَ مِنْهَا إِلَّا بِامْتِزَاجِهِ بِهَا وَدُخُولِهِ فِيهَا فَمِنْ تِلْكَ الطِّينَةِ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ؟!.