الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦ - منهج البحث
واحدة إلَّا أنه ينطوي على مجموعة أحكام عقلية صائبة.
وهكذا يُميِّز العقل بين حسٍّ باطل وحسٍّ صحيح .. فحين يُصاب المرء بالدوار ويزعم أن الكون يدور من حوله، لا يشك العقل في أن حِسَّه باطل لأنه يخالف سائر أحاسيسه من جهة وأحاسيس سائر الناس من جهة ثانية. وحين يغمس يدين في ماء واحد، فتحس إحداهما بأن الماء حار والثانية بأنه بارد، فإن العقل لا يتردد أن يحكم فورًا بأن اليد تتأثر بحالتها السابقة، فحيث كانت إحدى اليدين في الماء الحار- سابقًا- شعرت بأن هذا الماء بارد، وحيث كانت الأخرى- سابقًا- في الماء البارد شعرت بأن هذا الماء حار. والماء على هذا ماء فاتر، فهو بالنسبة إلى الحار بارد، وبالنسبة إلى البارد حار. وحين نسمع أخبارًا متناقضة، فالعقل يحكم بأنها لا يمكن أن تكون جميعها صحيحة، بل يبحث عما ينبغي أن يطمئن إليه، ولذلك يقوم بتحليل الدوافع التي دعت أصحابها لنقل الأخبار المتناقضة، لأن العقل يحكم بأن وراء كل عمل دافعًا نفسيًّا معينًا، فإذا وجد أن دافع أحد ناقلي الأخبار سليم، حكم بصحة خبره. ومعرفة الدافع أيضًا تدور على محور أحكام عقلية، فلا يمكن أن يكون دافع الرجل الصالح، الذي عُرِفَ منه الصدق والوفاء والأمانة والتضحية والشجاعة والشهامة و ... و ... إلَّا دافعًا سليمًا. ولا يمكن أن يكون دافع من يكون الخبر ضد مصلحته واعترافًا منه على نفسه إلَّا دافعًا سليمًا و ... و ...
هكذا يصبح العقل أمام العلم حسبما جاء في حكمة رشيدة للإمام موسى بن جعفر (عليه السلامهما) قال فيها:
«.. نُصِبَ الخَلْقُ [نَصْبُ الْخَلْقِ] لِطَاعَةِ الله، وَلَا نَجَاةَ إِلَّا بِالطَّاعَةِ، وَالطَّاعَةُ بِالْعِلْمِ، وَالْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالتَّعَلُّمُ بِالْعَقْلِ يُعْتَقَدُ، وَلَا عِلْمَ إِلَّا مِنْ عَالِمٍ رَبَّانِيٍّ، وَمَعْرِفَةُ الْعَالِمِ بِالْعَقْلِ»[١].
وفي حكمة للإمام أمير المؤمنين (ع) يقول:
«الْعُقُولُ أَئِمَّةُ الْأَفْكَارِ، وَالْأَفْكَارُ أَئِمَّةُ الْقُلُوبِ، وَالْقُلُوبُ أَئِمَّةُ الحَوَاسِّ، وَالحَوَاسُّ أَئِمَّةُ الْأَعْضَاءِ»[١].
أليست الأفكار فوضى لا تقيد إلَّا بهدى العقل، وبمسبقاته الصائبة؟.
أو ليست القلوب- أي النفوس- لا يمكنها أن تهتدي دون الأفكار الصائبة، وإذا كانت الحواس تعمل وفق إرادة الإنسان فإن إرادة الإنسان نابعة من نفسه- أي قلبه- فتكون القلوب- إذًا- أئمة الحواس وهُداتها.
[١] بحار الأنوار ج ١ ص ١٣٨ (من وصية الإمام موسى بن جعفر (ع) لهشام بن الحكم حول العقل).
[٢] بحار الأنوار: ج ١، ص ٩٦.