الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٦ - ٢ - أي الأبدان تحشر؟
تقرأ؟ ولكن هاهنا واقع يجب ألَّا ننساه وهو أن هذه القدرة التامة على الفعل والترك بنسبة واحدة ليست من ذات الإنسان. هذه السلطة والإرادة الحرة، قوة يهبها الله للإنسان حينما يتردد بين الفعل والترك. فهي تمامًا مثل موهبة العقل وموهبة العلم، فباستطاعة الله ألَّا يعطي عبده هذه القدرة فيصبح لا إراديًّا أو مجنونًا، ولذلك فإن العبد في الوقت الذي هو مختار بكل معنى الكلمة في أن يترك وأن يعمل، فهو تحت سلطان الله المطلق؛ لأن اختياره هذا وقدرته هذه مستمدة وموهوبة من الله. فهو مختار في حدود صلاحياته الموهوبة له لذاته، لذلك فإن الله إذا أراد أن يمنعه من الحرية سلبه هذا الاختيار. وهذا جوهر كلام الإمام الصادق (ع):
«لَا جَبْرَ وَلَا تَفْوِيضَ بَلْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ»
[١]، ذلك لأن الجبر يعني أن الإنسان لا إرادة له ولا رأي مستقل، بل إنه مضطر ومجبور من قبل الله أو بسبب القوى الطبيعية. وهذا يسلب الفرد تكاليفه ومسؤولياته تجاه أعماله؛ ذلك لأن المجبور لا تكاليف له ولا عقاب عليه.والنصوص التالية تشرح هذا الواقع وتشهد له:
١- عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) قَالَ: «سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ: اللهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى الْعِبَادِ؟.
قَالَ (ع): اللهُ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ!.
قُلْتُ: فَأَجْبَرَهُمْ عَلَى المَعَاصِي؟.
قَالَ (ع): اللهُ أَعْدَلُ وَأَحْكَمُ مِنْ ذَلِكَ!.
ثُمَّ قَالَ (ع): قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:
يَا ابْنَ آدَمَ! أَنَا أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَأَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي، عَمِلْتَ المَعَاصِيَ بِقُوَّتِيَ الَّتِي جَعَلْتُهَا فِيكَ»[١].
ومثال بسيط يكفي معنى هذا الحديث، فلو وهبت لصديقك، وهو رجل عاقل، دينارًا فذهب واشترى به متاعًا حسنًا، فمن الذي يُنسب إليه شراء المتاع، أنت أم هو؟. طبعًا أنت؛ لأنه لولا أنك أعطيته الدينار لم يستطع من شراء المتاع. ولو أنه اشترى به مسدسًا وقتل به نفسه فمن المسؤول، أنت أم هو؟. طبعًا هو؛ لأنك أقدرته على المال ولم
[١] بحار الأنوار: ج ٤، ص ١٩٧.
[٢] بحار الأنوار: ج ٥، ص ١٥.