الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٨ - ٢ - أي الأبدان تحشر؟
ولنعرج على الشبهات للرد عليها وبيان تفاهتها:
١- إن الإنسان مفطور على حب ذاته وحب مصلحته الخاصة، فهو يسير بصورة طبيعية وراء ما ينفعه. والمصالح المختلفة هي التي تُحدِّد اتجاهه في الواقع وفقًا لملابسات نفسه، فهي إذًا الرائدة للإنسان نحو ما تقتضيه من اتجاه. ومن هنا ظهرت الجبرية الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي قال بها كل من: (ماركس، دركهايم، فرويد).
والجواب: صحيح أن النفس تهوى ذاتها بصورة طبيعية، وأن الإنسان يحاول دائمًا أن يجلب إلى نفسه النفع ويدفع الضرر، ولكن هذا لا يعني أن النفس مجبورة على اتِّباع هذا الهوى وهذا الحب. إن النفس تملك- بإذن الله- قوة فوق قوة الحب وهي قوة الرأي وقوة الإرادة، فتختار حينًا ما تحب النفس فتتبع بذلك هوى النفس، وتختار حينًا آخر ما تكره النفس وخلافًا لما تحب. وبعبارة شاملة: إن هناك فرقًا واضحًا بين أن تكون حركة الإنسان وراء مصالحه حركة لا إرادية وجبرية كحركة الشمس حول الأرض، وأن تكون إرادية. بمعنى أن باستطاعة البشر أن يتوقف عن السير ولا يستمر في جلب المنافع، لا يأكل ولا يكتسب ولا ينكح تمامًا كما يفعل الزُّهَّاد وبعض الثائرين.
والوجدان شاهد على أن للبشر مقدرة كافية في مخالفة النفس بالسير في اتجاه آخر، وهذا هو الشرف الإنساني الذي يتميَّز به عن كل حي آخر. كما أن باستطاعة الإنسان أن يُخالف تقاليد الاجتماع وإن سبب له ذلك ضررًا كبيرًا، وأن يُغَلِّب حالته النفسية باتجاه معاكس.
٢- و يقولون: أليس الله يعلم أن عباده يُذنبون علمًا سابقًا على وجود ذنبهم؟. ثم أليس الله عليم ولا يجهل ولا يمكن أن يُخطئ؟. إذًا فلو علم الله أني أكذب فإني لا أقدر على ألَّا أكذب؛ إذ لو لم أكذب إذًا لزم أن يكون علم الله جهلًا؟.
الجواب: بالرغم من أن هذه الشبهة تعتبر قوية في الأوساط الفلسفية فإن جوابها واضح وبسيط يُعرف بعد أن نفهم واقع العلم، ولنأتِ له بمثل:
إنك تعلم أن أخاك سوف يموت بعد مئة سنة علمًا يقينًا فماذا يعني هذا العلم، وما هو تأثيره في الحدث؟. يعني أن الواقع الخارجي الذي يحدث بعد مئة سنة قد انكشف لك بصورة واضحة، وهل هناك شيء آخر يؤثر في الواقع؟.