الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩١ - ٧ - معطيات الإيمان
سرعان ما يرجع إليها مرة أخرى إذا واجه الظروف نفسها التي واجهها أول مرة. والإيمان يزيد من قوة العقل ويبعثه إلى فعل الخيرات؛ ذلك لأنه يجعل صاحبه بين أيدي الله العليم القدير الذي بيده أمره وإليه مصيره، ذلك الله الذي أعد للمحسن ثوابًا عظيمًا وللعاصي عقابًا أليمًا. فالمؤمن يجد نفسه أمام سلطان الله الدائم فتذل نفسه ويضعف هواها فلا يستطيع أن يردعه الهوى عن الخير. والمؤمن يشعر كأنه مُنعَّم في الجنة وكأنه مُعذَّب في النار (من شدة يقينه بالمستقبل وتطلُّعه لحياة الخلود) فتزيد رهبته ورغبته شدةً وعمقًا وتجعلانه نشطًا سبّاقًا إلى الخيرات مهما كانت صعبة، وحذرًا من السيئات مهما كانت صغيرة [١].
جاء في القرآن .. الَّذينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيامًا وَ قُعُودًا وَ عَلى جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ وَ اْلأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ (١٩١) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَ ما لِلظّالِمينَ مِنْ أَنْصارٍ [٢]. هكذا يكون الإيمان نبعًا لا ينضب لفعل الخيرات!.
التحلي بالفضائل:
ما هي الرذيلة؟. ما هي صفة الكبر، والغرور، والبخل؟.
لدى التحليل تبيَّن أنه إذا التهب حب الذات في زاوية من الزوايا سبَّب صفة نفسية رذيلة؛ فمثلًا: إذا التهب حب الذات في زاوية الدفاع عن الذات حدثت صفة الكبر التي لا تعدو أن تكون مغالاة في تقييم الإنسان لنفسه، والحرص لا يعدو أن يكون زيادة في حفظ الذات، والبخل إفراط في الإحساس بالخوف من الحوادث وهكذا. ومن هنا فالذي يتغلَّب على هوى نفسه بقوة عقله، فإنه سوف يقضي على الرذيلة قضاءً باتًّا.
والنفس المؤمنة تُميت الهوى وتجعله تابعًا لإرادتها فتقضي على الرذيلة. أضف إلى ذلك أن النفس التي تشعر بعظمة الله لا يمكن أن تتكبر، وأن النفس التي تعلم أن لا حول لها ولا قوة إلَّا بالله لا يمكن أن تغتر، والنفس التي تعلم أن الله يملك الخير والشر كله، لا يمكن أن تحسد الآخرين وتحقد عليهم.
ومن جهة أخرى النفس المؤمنة بالله الجميل الجليل، لا تملك إلَّا أن تكنَّ حبًّا عميقًا
[١] يقول الإمام علي (ع) في صفة المتقين: «.. فَهُمْ وَالجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ» (نهج البلاغة: الخطبة ١٩٣).
[٢] سورة آل عمران، آية: ١٩١- ١٩٢. هذه صفة المؤمنين الذين لا ينفكون يشعرون بعظمة الله فيتعوذون به من النار المرة بعد الأخرى، ويدفعهم ذلك إلى المزيد من العمل والمزيد من النشاط.