الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦ - كيف ندرس العقائد؟
فالمتزمتون حاولوا أن يحصروا الدين عند الناس في حدود معينة من السلوك الفردي وبعض النظم الاجتماعية، أما في المناهج العلمية والأفكار الفلسفية والقواعد الخلقية فلابد أن يُصبح تابعًا متواضعًا للفلسفة التي يختارونها كلٌّ حسب هواه.
ومن هنا قالوا: إن الإسلام يشجعهم على اتِّباع الفلسفة الإغريقية. وذهب الخيال ببعضهم حد القول بأن أفكار الفلسفة القديمة هي بالذات معطيات الإسلام، فالمنطق الشكلي ونظرية القوة والفعل وهيئة بطليموس وما أشبه هي عندهم نظريات إسلامية.
وكانت نسبتهم هذه إلى الإسلام أشبه شيء بنسبة رجال الكهنوت خرافات العصور الوسطى إلى المسيحية، مما أدَّت إلى ارتداد العلماء عن الدين في أوروبا.
أما النصوص الشرعية المخالفة لهم في نسبتهم هذه فكانت في أيديهم ألين من الحديد بين أصابع داود (ع)، حيث أخذوا يُؤوِّلون فيها ويُحرِّفونها ويفترون على الله الكذب وهم هادئون مطمئنون.
وفي الطرف المعاكس تمامًا كان الانهزاميون يقومون بدور مماثل للمتزمتين ولكن من منطلق مختلف، إذ كانوا يحاولون تجريد الإسلام من روحه الناصعة، ومبادئه الفطرية الصائبة، وتمييع أحكامه المحددة وتوجيه نصوصه وفق (فلسفات الغرب الحديثة)، ناسين أو متناسين كل ما في هذه الأخيرة من سلبيات وتناقضات.
وقد بلغ الجهد ببعضهم حدًّا دعا المسلمين إلى تبني فكرة مناهضة للإسلام تمامًا، وباسم الإسلام ذاته، وقالوا: لا يعدو الإسلام أن يكون انتماءً قوميًّا أو قبليًّا أو عائليًّا، فهو ينسجم، أو بالأحرى لابد أن نجعله بحيث ينسجم، مع كل جديد يقتضيه اتِّجاه الحضارة الحديثة. ولم يعلموا أنهم بعملهم هذا انتزعوا عن الإسلام أهمَّ ما فيه، وهي الروح المبدعة المُغيِّرة والثائرة.
وضاعت الأمة الإسلامية المُرتقبَة والحضارة الإسلامية المأمولة، ضاعت في زحمة هذه الاتجاهات المُتطرِّفة. وأصبح الإسلام كلمةً جوفاء مطاطية كأنها ضباب السواحل تشمل جميع المتناقضات. وليس أبدًا ذلك الدين الواحد الذي جاء من ربِّ واحد لتكوين أمة واحدة، بل إنه أَلْف دينٍ وأَلْف مذهب وأَلْف أمة .. وكانت هذه عقبةً تعترض مسيرة المسلمين الحضارية، وكان لابد لنا من تحديها بأمرين: