الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٠ - ٧ - معطيات الإيمان
التطلع نور السعادة:
هذه هي عوامل الشقاء وهكذا يقضي عليها الإيمان أو يخفف من شقائها، ولكن الإيمان لا يكتفي بذلك بل يُعطي الفرد نور السعادة ليجعله مفلحًا حقًّا. وذلك أن البشر قد خُلق طموحا لا يكتفي بما تكفيه من ضرورات الحياة حتى يطلب المزيد؛ ولذلك فهو يحرص على جمع المال حرصًا عجيبًا وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا [١]. ليس فقط لأن المال يفي بحاجاته الضرورية، بل لأنه- حسب اعتقاده- يجعله شيئًا، كما جاء في المثل (إذا ملكت شيئًا فقد أصبحت شيئًا). وطموحه لا يقتصر على الملاذِّ المادية، بل إن ملاذَّه الروحية تدعوه إلى النشاط أكثر؛ فمثلًا: حب المعرفة وحب السيطرة وحب الشهرة قد يبلغ بالبشر حدًّا يُضحي في سبيله بالمال والأهل جميعًا، وهذا الطموح إن لم يتحقق عمليًّا بقي الإنسان يشعر بفراغ، وكلما تحقق شيء منه طار فرحًا وغمر نفسه شعور بالسعادة، وإذا وجَّه الإنسان طموحه إلى حطام الدنيا ازداد شقاء بعد شقاء؛ لأنه كلما جدَّ في طلب الدنيا اصطدم بقوى خارجية تُوقفه، بينما إذا وجَّه طموحه نحو العالم الروحي تقدَّم إلى الأمام دون أي اصطدام. والدين يوجّه طموح الإنسان هذا في مجالات ثلاثة مما يجعله سعيدًا متطلِّعًا:
١- في مجال التحلي بفضائل إنسانية تزيد الفرد قيمة إلى قيمته ورفعة بعد رفعة.
٢- في مجال طلب النعم في الآخرة والتي عرضها كعرض السماوات والأرض مما تمتص تطلعات المؤمنين وتزيد.
٣- في مجال الاتصال بنور الله والقرب من رضوانه الذي يُعطي الإنسان فيضًا من السعادة التي لا تنتهي. وأين تلك السعادة من سعادة الجسم [٢]. وبكل هذا يؤتي الله المؤمن فلاحه في الدنيا والآخرة، ويقول: أُولئِكَ عَلى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [٣].
الإيمان نبع لا ينضب:
كل فرد يريد أن يفعل الخيرات، بيد أن شهواته النفسية والقوى الخارجية هي التي تمنعه منها وتجرّه إلى اقتراف السيئات. وكثيرًا ما يندم البشر من بعض تصرفاته السيئة ولكنه
[١] سورة الفجر، آية: ٢٠.
[٢] قال الله سبحانه وتعالى في صفة المؤمن: في بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها بِالْغُدُوِّ وَ اْلآصالِ [٣٦] رِجالٌ لا تُلْهيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ (سورة النور، آية: ٣٦).
[٣] سورة البقرة، آية: ٥.