الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٦
تدبَّر فيه. ولم يظهر حتى الآن من نجح في صياغة آية واحدة ولو بصورة تقليدية كآيات القرآن الحكيمة، وإن أغمضنا النظر عن تحدي القرآن فإن ذاته يدل على صدق هذا الكتاب الذي ظاهره أنيق وباطنه عميق، ظاهره حكم وباطنه علم، قيّم لا عوج فيه، حق لا باطل معه، لا تختلف أحكامه ولا تتناقض مبادئه، ولا تتعارض أصوله وفروعه ومفاهيمه وأحكامه.
هذا الكتاب الذي بهر البلغاء فرفعت أعلام الاستسلام، واستهوى العالم كله فظل يستلهم منه طيلة أربعة عشر قرنًا، فلم تَبْلُ عجائبه ولم تَخْلُق نضارته، بل جاء كل جيل فاقتبس من نوره واهتدى بهداه، وذهب ليستخلفه الجيل الثاني في ذلك دون أن يُؤثِّر تطوُّر الحياة وتقدُّم العلوم واختلاف الزمن شيئًا في عظمته وأهميته. هذا الكتاب يأتي به رجل أميّ محض، أليس في هذا معجزة دونها معاجز الأنبياء (عليهم السلام).
أين معجزة القرآن؟
القرآن معجزة لا شك في ذلك، إذ لو لم يكن معجزة إذًا لاستطاع البشر أن يأتوا بمثله وقد تحداهم جميعًا من أول يوم، وإذا كان يُشبه كتب البشر في شيء واحد بينما يختلف عنها في كل شيء فلا يكون إلَّا معجزة، ولكن أين من القرآن المعجزة؟ في أية ميزة منه اختبأت المعجزة؟
في الجواب نقول:
ألف: قد احتوت آياته على علوم لم يعهدها البشر ذلك اليوم واكتشفها عصر النور. فبالرغم من أن رموز القرآن لم تحل بصورة دقيقة نظرًا لضحالة معارف الإنسان، فإن آيات قرآنية كثيرة أشارت إلى حقائق علمية لم تُعرف إلَّا منذ زمن قريب. وإن مقارنة القرآن في هذا الحقل بأي كتاب تاريخي يظهر لنا بوضوح مدى الفرق بين كتاب البشر وكتاب الخالق الأبدي الذي لا يمكن أن يتجاوزه الزمن، أنَّى سارع في مسيرته. بل إنه يبقى أبدًا أمام الاكتشافات، فيعود الإنسان إليه كلما عرف سرًّا ليجد فيه إشارة بارزة إليه، حتى أنه يعتقد بيقين أن القرآن يحتوي على العلم كله.
ونحن إذ نذكر بضعة أمثلة فإنها ليست سوى طليعة الشواهد العلمية التي تتلاحق لتكشف عن إعجاز القرآن:
١- لقد اكتشف العلم أن المادة كانت جامدة وساكنة وحدث فيها انفجار هائل