الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٢ - الديالكتيك فلسفة عامة
وهذا دليل على عدم إمكان اجتماع المتناقضين؛ إذ لو أمكن لما تصارعت القوتان على المكان وأحدثتا الحركة، بل كانتا تعيشان جنبًا إلى جنب في سلام.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية كل شيء الآن شيء، وفي المستقبل قد يتحول إلى شيء آخر، ولا يتحول إلَّا بعد إمكان هذا التحول. فمثلًا: الطفل الآن بشر صغير، وهو في المستقبل إنسان كبير، ولا يصبح إنسانا كبيرا إلَّا بعد وجود إمكانية ذلك له. ومن هنا فليس من الممكن أن تتحوَّل البعوضة إلى حجم الفيلة لأنها تفقد إمكانية ذلك.
ويعبر عن هذه الحقيقة بلفظي (الفعل) و (القوة) [١]. فالشيء بالفعل ذو حجم معين وبالقوة ذو حجم مختلف. والأمثال على ذلك كثيرة؛ فكل حركة في العالم تعني التحوُّل من الواقع فعلًا إلى ممكن مستقبلًا.
وكل جسم حي يسير عبر التحوُّل من الحياة الساذجة إلى الحياة التامة، ومنها يتحوَّل إلى الموت والسكون، وكذلك الإنسان يتحوَّل من الواقع إلى المستقبل، من الفعل إلى القوة. فهو لا يعلم شيئًا بالفعل ولكنه يملك إمكانية التعلُّم وقوته.
بعد توضيح هذه النقاط نعرف حقيقة مبدأ التناقض، فهو عند الفلسفة الغيبية (الميتافيزيقيا) يختلف عنه في الفلسفة الديالكتيكية. فالأولى تشترط لموضوعة (مبدأ عدم التناقض) الوحدة الزمنية والمكانية والفعلية. فلو وجد شيئان مختلفان في زمانين أو مكانين أو في زمان ومكان، ولكن وجد الأول بالفعل والثاني بالقوة (الوجود حالًا وإمكانية الوجود مستقبلًا) فهو ممكن ... والفلسفة الغيبية ترى أن الحركة تنشأ بهذا السبب. فالتناقض الموجود بين شيئين في مكانين أو زمانين أو حالتين يكون سببًا لدفع أحدهما للآخر إلى الخارج، والحياة كلها هي التحرك من المتحقق فعلًا إلى الممكن مستقبلًا.
أما الفلسفة الديالكتيكية فترى أن التناقض ممكن بين شيئين في مكانين متقاربين (مثل السالب والموجب في السلكين المتقاربين)، أو في زمانين متقاربين (مثل البيضة والفروجة المتعاقبين، ومثل الهزيمة والانتصار المتقاربين زمنيًّا)، أو بين شيء موجود فعلًا وإمكانية أن يكون شيئًا آخر في المستقبل (مثل الجهل والعلم في الإنسان).
[١] لا تعني لفظة القوة هنا وجود قوة داخلية في الشيء تدفعه إلى التحول. كلَّا، بل معنى القوة هنا: الإمكانية، أي من الممكن أن يتحوَّل إلى شيء آخر، ولو بعوامل خارجية؛ فالطفل لولا عوامل الغذاء والهواء لما انقلب إلى شاب.