الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤ - ألف الفكرة وعقل الإنسان
إن حكم العقل يعني كشف الذات للواقع الخارجي كشفًا واضحًا شاملًا وثابتًا. والفكرة لا يجب أن تكون دائمًا واضحةً شاملةً ثابتةً، بل قد تكون كذلك وقد لا تكون؛ والسبب في ذلك أن الفكرة من عمل النفس، وتكون خاضعة لإرادة الإنسان، فهي بحاجة إلى (الانضباط المنهجي) حتى تكون صحيحة صائبة، وإلَّا تأثرت بالمؤثرات المادية كما تتأثر إرادة الإنسان بها. وبتعبير آخر: بما أن الفكرة عمل من أعمال النفس البشرية، وبما أن كل عمل بحاجة إلى الإرادة، فإن الفكرة خاضعة لإرادة الإنسان، وأيّ ميوعة في إرادة الإنسان تعني عدم توجيه الفكرة وبالتالي عدم صحتها.
والسؤال: كيف تصدر الفكرة عن العقل؟.
الجواب: إن النفس قد تستغل الأحكام العقلية في استخراج أحكام أخرى، فإذا كان هذا الاستغلال موضوعيًّا، كانت تلك الأفكار المستخرجة مثل حكم العقل تمامًا واضحة شاملة ثابتة، وإلَّا تعرضت للخطأ .. فمثلًا: قد نستخرج الفكرة التالية من حكم العقل: (الشيء لا يمكن أن يخلق ذاته)، ونستطيع أن نُدلِّل عليها باستحالة التناقض، إذ يجب أن يكون الشيء موجودًا قبل وجوده، وهذا يعني أن يكون موجودًا وغير موجود في لحظة واحدة. وبتعبير آخر: كيف يمكن أن يخلق العدم شيئًا، مع أن الخلق عمل والعمل لا يصدر إلَّا من شيء موجود؟. فإذًا: الشيء لا يمكن أن يخلق ذاته.
ففي مثل هذا النوع من الأفكار، لا تكون عملية التفكير إلَّا استجلاءً للمعلومات السابقة، واستيضاحًا للأحكام العقلية الموجودة. وحسب تعبير بعض المفكرين: إن التفكير المعتمد على المعلومات العقلية السابقة إن هو إلَّا فضّ الفكر ذاته .. ولهذا جاء في الحديث المروي عن الإمام الصادق (ع):
«كَثْرَةُ النَّظَرِ فِي الْعِلْمِ يَفْتَحُ الْعَقْلَ»
[١]. فالعقل- إذًا- موجود ولكنه منغلق ويحتاج إلى عملية الفضّ. وعملية فض العقل، وفتح نوافذه على العالم، على نوعين:١- قد يكون الإنسان غافلا تمامًا عن نور عقله متوجِّهًا إلى معلوماته، باحثًا فيها عن الحقيقة دون الرجوع إلى عقله والاستضاءة به، ويكون مثله كمن يغفل عن الشمس وينشغل بالموجودات المضاءة بها. وهنا يحتاج الإنسان إلى من يُنبِّهه إلى ضلالته عن النور الذي يملكه هو لاكتشاف الحقيقة، ويقوم فعلًا باكتشاف بعض الحقائق به.
[١] بحار الأنوار: ج ١، ص ١٥٩.